الصادق حفيد الصديق

الصادق حفيد الصديق

 

    الحديث عن هذا العملاق حديث ذو شجون، خاصة حين يقف المرء أمام كثرة كاثرة مما نسب إليه من أقوال، ليس لها صلة به، و إنما أراد أصحابها الترويج لها و توظيفها لمآربهم السياسية باسمه و التستر به .

    إنه الإمام جعفر الصادق، أو بمزيد من التفصيل جعفر بن محمد الملقب الباقر ؛ لرسوخه في العلم، و كان جده من جهة أبيه علي بن الحسين الملقب زين العابدين بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه.

     أما نسبه من جهة أمه، فأمه : أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

    نسبته إلى الخليفة الراشد الأواب علي بن أبيطالب رضي الله عنه، لا شك معروف لدى الكثير من الناس، أما نسبته من جهة أمه إلى الخليفة الراشد الصاحب في الغار أبو بكر الصديق رضي الله عنه فليست بدرجة معرفة نسبته لأبيه. زد على ذلك أن علي بن الحسين و القاسم بن محمد هما ابنا خالة، اذا علمنا أن عمر الفاروق رضي الله عنه حين قدمت بعد فتح فارس ثلاث فتيات من بنات يزدجرد آخر ملوك فارس الى المدينة زوج الثلاث واحدة للحسين بن علي فأنجبت له علي زين العابدين و الأخرى لمحمد بن أبي بكر فأنجبت له القاسم و الثالثة لعبدالله بن عمر فأنجبت له العالم الشهير سالم، فالثلاثة ابناء خالة.

    تهمنا هنا معرفة نسب جعفر إلى أمه؛ لمعرفة الصلات و الروابط الرحمية مع بني هاشم؛ لأنها تدحض و تنسف شبهات و أباطيل أولئك الذين يتناولون الصحابة بالسوء و البهتان.

    كثيرا ما نجد هؤلاء يحاولون- عبثا - إنكار تلك العلاقات، لكنهم يسلمون لأحد كبار علماء الشيعة في إيران( المجلسي) في كتابه بحار الأنوار، حين يختلق فرية و يكسوها قداسة( ليزدجرد بن شهريار) آخر ملوك فارس حين ينسب له زورا أنه بعد هزيمته في القادسية قال و هو يغادر الإيوان : " السلام عليك أيها الإيوان ! ها أنا منصرف عنك و راجع إليك أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه و لاآن أوانه". و هم يقصدون هنا ذرية  الحسين رضي الله عنه باعتبار أن  أم بعض ولده من بنت يزدجرد .

    كان القاسم بن محمد بن أبي بكر أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين،  و هو الصبي الذي قامت على تربيته عمته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، و ذلك إثر مقتل أبيه الذي كان واليا على مصر من جهة أمير المؤمنين علي، و قتل و القاسم ابن ثلاث سنوات تقريبا؛ لتتولى شؤونه و تربيته عمته عائشة رضي الله عنها.

    و لعل البعض أيضا لا يعرف أن محمد بن أبي بكر الذي توفي أبوه الصديق و هو في الثالثة أو ارابعة من العمر، تولى رعايته و تنشئته علي رضي الله عنه حيث تزوج أمه الصحابية المعروفة  : أسماء بنت عميس التي خلف عليها بعد الصديق رضي الله عنه.

    هذا التمازج المبكر في النسب، لم يكن تمازج أنساب فقط، و إنما كان أيضا تمازجا علميا و فكريا عميقا و واسعا. و ذلك أن جعفر الصادق رضي الله عنه قد أخذ العلم عن جده علي زين العابدين الذي توفي و جعفر في الرابعة عشرة من عمره، كما أخذ عن جده القاسم بن محمد الذي كانت وفاته، حين كان جعفر في سن ناضجة حيث كان ابن ثمان و عشرين سنة.

   لكن لا نغفل أن علم عائشة كانت قد أودعته الفتى الألمعي الذي عاش في كنفها و رعايتها القاسم بن محمد، الذي أداه بالتأكيد لسبطه جعفر!

     فكيف الآن بعلم من الأعلام نهل من موردين من مناهل العلم في المدينة المنورة بالإضافة إلى أخذه من حلقات العلم المبثوثة يومها في المدينة النبوية !؟

   نختم هذه الومضات السريعة بموقفين : أحدهما لجده علي زين العابدين و الثاني لأبيه الباقر؛ و ذلك نقلا عن الإمام محمد أبو زهرة في  كتابه: تاريخ المذاهب الإسلامية ، حيث يذكر أن بعضا من غلاة  الشيعة حين التقوا في المدينة بعلي زين العابدين  قادمين من العراق : ( ذكروا أبا بكر و عمر، فنالوا منهما.فقال لهم علي رضي الله عنه: " أخبرونا من أنتم: من المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا و ينصرون الله و رسوله؟ ". قالوا: "لا". قال:" فأنتم من الذين تبوءوا الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم؟" قالوا: "لا". فقال لهم:" و أنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله فيهم:" و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا " فقوموا عني لا بارك الله فيكم و لا قرب دوركم .. أنتم مستهزئون بالإسلام و لستم من أهله ).

    و أما موقف أبيه محمد الباقر كما قال أبو زهرة:( فقد كان يجل الصحابة و يختص بفضل من الإجلال الشيخين أبابكر و عمر رضي الله عنهما، و يقول في ذلك أثابه الله تعالى:"من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة" و لقد قال لأحد أصحابه، و هو جابر الجعفي :" يا جابر بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا، و يتناولون أبابكر و عمر رضي الله عنهما، و يزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم أني إلى الله منهم بريء. و الذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله تعالى بدمائهم  ... لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه و سلم إن لم أكن أستغفر لهما و أترحم عليما. إن أعداء الله لغافلون عنهما).

     عل هذه الموارد الثرة ورد جعفر الصادق، و من هذه المناهل العذاب نهل. فهل يستقيم ما تنسب إليه من أقاويل مع هذا الفكر و الفقه اللذين نهل منهما ؟

     كلا إنه الصادق حفيد علي و حفيد الصديق.

 

                                أحمد عبد الملك المقرمي

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى