نازحوا الشمايتين.. ويبقى التعليم نبض حياة

نازحوا الشمايتين.. ويبقى التعليم نبض حياة مدرس وتلاميذ في العراء

للحرب قسوتها وجبروتها.. وللنزوح عن الديار حكايا تأنُّ لها القلوب..

 وللقلوب المثقلة بحب الحياة وطن يصنعه الأمل.. لافي سراديب العزاء، ولا على أطلال البكّائين، وإنما في ميادين البذل والكدح تشبثا بالحياة، واستبشارا بغد ستلوح شمسه زاهية مضيئة.

في تطوافك لمخيمات النازحين في مختلف عزل الشمايتين تجد هذا المعنى واضحا جليا، ومتجسدا في سلوك آلاف النازحين القادمين إلى هذه المديرية من محافظات شتى.. واللافت في الأمر أن أحدا منهم لا يسأل أحدا: من أين أتيت؟ فكلهم أبناء مأساة واحدة، وإخوة مصير مشترك، وكلُّهم مؤمنين حدَّ اليقين بأنَّ الوطن سيعود إليهم حاملا في جعبته هدايا البسطاء وفرح المظلومين مهما طال الليل، ومهما تمادى كُهّان الموت في غيهم وطغيانهم، فلا بدَّ لليل أن ينجلي، ولا بدَّ للقيد أن ينكسر، ولا بدَّ لإرادة الله أن تعلو فوق ظلم الظالمين وجبروت المستكبرين.

موجودون في الواقع..

لم تحجبهم مأساة النزوح عن أعين الناس.. وصلوا إلى هذه العزل والقرى لا كمهاجرين ألقوا عصا الترحال بانتظار أكف البذل والرحمة، وإنما كعابري سبيل بسطاء.. منعتهم عزة نفوسهم من الجلوس في قارعة المأساة يتكففون الناس، فراحوا  يساهمون بشكل يومي في ما تيسّر من أعمال: في المطاعم.. في مقاطع الأحجار.. وفي حركة الباعة المتجولين في الأسواق القريبة.. صحيح أن بضاعتهم مزجاة، وأن ما يحملونه أشياء بسيطة.. قد لا تتعدى رزم البصل والبقدونس وعلب الشوكلاته.. لكنَّ ما يحملونه في قلوبهم كبير وكبير.. إنه وطن يتشكّل تحت مطارق الألم والأمل جميلا كالبسمة، زاهيًا كالشفق.

الأجمل من ذلك أنّ أبنائهم لم يتّخذوا من النزوح مبرّرا للتسول، ولا للسرقة، ولا للتسكّع في الطرقات.. لأنهم مؤمنون حد اليقين أنَّ طريق العودة إلى الوطن ليس من هنا.. ولكنّه من هناك.. من هناك حيث تبسط الأشجار عوارفها ظلالا لطلاب العلم، وحيث تتراقص الأنسام جذلى احتفاء بهؤلاء العظماء الصغار الذين قهروا القهر وتغلّبوا على مآسيهم، ومنعوا سحائب الإحباط أن تتسلل إلى قلوبهم حيث يتشكّل الوطن مدينة فاضلة، ترفرف عليها أنسام الحرية والعدالة، وليس إلا طريق واحد يوصل إليها في نظرهم.. إنه طريق العلم.. والعلم وحده.

كان المفترض بحسب منطق الواقع أن تتعطّل العملية التعليمية في كثير من هذه العزل والقرى، وأن يشكل أطفال المدارس أزمةً مركّبة لعدم وجود بدائل عن المدرسة تنتظمهم في أطرها حفاظا عليهم من التشتت والضياع لسببين اثنين: توقف مرتبات المدرّسين، وتحوّل كثير من المدارس إلى مخيمات للنازحين الذين يزدادون كلَّ يوم بشكل لافت.. لكنَّ ذلك لم يحصل.

فلا تجد مدرسة تعجُّ بالنازحين إلا ووجدت على مقربة منها ساحة علم، يتجمّع فيها أطفال القرى، وأطفال النازحين.. وكلهم آووا إلى ظل شجرة أو بناء مهجور أو كهف قريب، متحلّقين حول سبورة خشبية ومعلّم وجد في هؤلاء البسطاء ضالته، كما وجدوا هم فيه ضالتهم المنشودة، فراح الجميع يسهمون في رسم لوحة جميلة  تكسر جهامة الواقع، وتعلن بشكل صارخ أن الدنيا لا زالت بخير، وأنَّ هذا الشعب حتى بأطفاله البسطاء ومدرسيه المحرومون من حقوقهم لا يزال عصيًّا على الموت والجهل والضياع.

ولقد تنامت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ، وأصبح لزاما على الجهات المختصة -إن كان لا يزال لديها بقية إحساس بالمسئولية- أن توليها العناية والاهتمام حتى يتسنى لهذه الظاهرة أن تعطي ولو الحد الأدنى من مخرجات العملية التعليمة الناجحة، وإنهم لمسئولون على ذلك أمام الله أولا وأمام ضمائرهم ثانيا، وأمام هؤلاء الفتية ثالثا.

قد لا يتوافر لهؤلاء الفتيان إلا الحد الأدنى من متطلبات العملية التعليمة، وقد لا يتجاوز ذلك السبورة والقلم والكراسة في أحسن الأحوال.. لكنَّ اندفاع هؤلاء ومضيهم في طريق التحصيل كفيل بأن يصنع من هذه الأدوات البسيطة مالم تصنعه المدارس المدججة بالمعامل والقاعات الفخمة.. 

إنّها الإرادة إذن.. إرادة العلم في زمن يُراد له أن يكون جاهلا، وإرادة الوجود الفاعل في زمن يراد من أبنائه أن يكونوا من سقط المتاع، وأن يصبحوا أرقاما معطّلة، يطلبها الوطن فيجدها خارج دوائر الخدمة.

إن مثل هذه التجمّعات على بساطتها لتمثل ردا عمليا على أولئك الذين يفجرون المدارس والمعاهد، ويحيلونها إلى متارس للقتل والقنص من جهة، ولأولئك الذين حرموا المدرسين من حقوقهم، متجاهلين المصير المخيف الذي يسير إليه التعليم من جهة أخرى.

وسوف يكبر هؤلاء الصغار وأمثالهم من أطفال اليمن.. وسيتغلبون على واقعهم المرُّ.. سيكبرون وهم على علم ودراية بكل الذين سمّموا حياتهم ونغّصوا عليهم سبل المعيشة.. وصادروا عنهم أسباب العيش بكرامة وحرية.




اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى