جمعة الكرامة.. يوم مشرق في تاريخ الوطن

جمعة الكرامة.. يوم مشرق في تاريخ الوطن

لم تكن جمعة الكرامة حدثا عابرا في ثورة فبراير 2011 بل كانت منعطفا مهما. وفاصلا تاريخيا، مكن ثورة فبراير من التوسع والانتشار، واتاح لها قدرا كبيرا من الجماهيرية التي استوعبت هذا الحدث كمحك حقيقي لتصميم الشعب اليمني على أن يسلك طريق الخلاص، حتى وإن دفع ثمن كل خطوة من جراحه ودم أبنائه.

مثلت جمعة الكرامة نقطة اللاعودة لكل من الثوار ولنظام عفاش، فهي بالنسبة للثوار حدث كان له ما بعده من الانتقال بالوعي الثوري لشباب الساحات من حالة التعويل على أن يراجع نظام عفاش حساباته وأن يخضع لصوت الثورة في التنحي والخروج من السلطة بشكل سلمي يضمن لكافة الأطراف حقوقها القانونية إلى حالة من التصميم الثوري الذي قوته جنائز الشهداء وجعلت منه خيارا وحيدا سيأخذ وقته وكلفته، لكنه في نهاية المطاف سيثمر واقعا أفضل ودولة ترفرف عليها اعلام الحرية والمدنية.

وهي نقطة اللاعودة لنظام عفاش الذي دشن بمجزرة الكرامة فصلا دمويا جديدا، وفتح دوامة العنف في وجه شباب الثورة، معتقدا ان ما يحدث في الساحات لا يمكن إخماده إلا بالعنف والقتل وتكسير العظام، وأنه لا خطوط حمراء أمام هذا النظام المجرم حفاظا على الزعيم الأوحد وحاشيته المقدسة.

ولقد أثمرت الكرامة سريعا، وكان أول ثمارها ان كشفت للداخل والخارج الوجه القبيح لنظام صالح، وسقط القناع الذي ظل الرجل يخدع به البسطاء وبعض رجال حكمه، وبدا نيرونا ملطخا بدماء ما يقارب ستين شهيدا خرجوا يتلمسون بشكل سلمي مستقبلا اجمل وغدا أفضل.

وقد ترتب على هذا الانكشاف المخزي انضمام مجاميع كثيرة من رجال الجيش ومن رجال القبائل ومن الوزراء ومن رجال السلك الدبلوماسي إلى ساحات الثورة، فكان ان كسرت ثورة فبراير قمقم البدايات، وتوسعت جماهيريا وإعلاميا وسياسيا، وعلى وقع ذلك بدأت الأوراق تتساقط، وبدأ الخريف العفاشي متمثلا في الفرار الكبير لرجال دولته، حتى لم يبق منهم غير فاسد مغرور أو مستخدم مأسور او مطبل مأجور.

ظن صالح انه ببنائه الحاجز الإسمنتي سيوقف زحف مجاميع الشباب! وان القناصة المستأجرين سيطلقون رصاصة الرحمة على ثورة ضعيفة مغلوبة على أمرها، وأن الدخان الأسود الذي أشعلته الأيادي النجسة سيحجب وجه السماء، وأن شباب الجامعة سيعودون بعدها إلى مساكنهم راضين من الغنيمة بالإياب، ولم يخطر على باله أن اليمن كلها ستتحول بسبب كرامة الكرامة  إلى ساحة اعتصام مهول وكبير تصرخ في نداء موحد وصوت مزلزل: إرحل.. إرحل.

ولقد كانت جنائز الشهداء تأكيدا جماهيريا على المضي في مجريات الثورة مهما تشعب النظام في مسالك العنف والقمع، وقد احتفت الجماهير كثيرا بهذه النعوش العظيمة، التي أحيت قائمة طويلة من القيم الوطنية يأتي في مقدمتها حب الوطن والتضحية والشهادة، وتفاعلت الجماهير مع هذه القيم حتى صارت موجها سلوكيا ناقدا قوي شيئا فشيئا، ولم يستطع إيقافه حبال الحاكم ولا عصي سحرته.

جمعة الكرامة كانت إعلانا بيمن جديد وبمرحلة جديدة من النضال الوطني، مرحلة ابتكرت صيغة جديدة للعمل الثوري تجاوزت به الإطار النخبوي إلى حاضنة جماهيرية واسعة، واستدعت إلى منبر الثورة في ساحة الجامعة وغيرها من الساحات كل الأصوات الوطنية في انتظام مذهل جمع في تركيبته العامل والأديب والعالم والموظف والأكاديمي والطالب، بل وصهرت مختلف التوجهات السياسية في بوتقة موحدة غابت فيها مختلف التوجهات والانتماءات السياسية، وحضر فيها الوطن وحده ولا سواه.

في تلافيف ذاكرة جمعة الكرامة يلتقي الثوري بالإنساني، والوطني بالأخوي، وخلف كل شهيد قصة وطنية كبرى، وفي قصص الشهداء مخزون هائل من حكايا انتصار القيم ، يمكن للفكر ان يخوض غمارها باحثا في مكنونها الإنساني عن مثل التاريخ وجماليات الفن والأدب، وأحسب أن الشباب قد قطعوا خطوات مهمة في هذا المضمار لكن المخزون الهائل الذي تعج به ذاكرة الكرامة لا يزال مغريا بالكثير من الاعمال الفكرية والفنية.

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى