موزع.. من لم يمت بالحرب ماتَ بغيرها

موزع.. من لم يمت بالحرب ماتَ بغيرها

بات جلياً أن الذين هربوا من الموت في مديرية موزع اصطحبوا الموت معهم وذهبوا إليه، كما بات مؤكّدا أن السلامة التي ينشدونها بنزوحهم ليست إلا حياة مضنية كؤودة وموعداً مرتقبا مع نزوح آخر إلى البعيد البعيد.. حيث تجتمع الخصوم.

في واد غير ذي زرع تكوّموا كخرق بالية قذفتها السيول. وعلى غير إرادة منهم تجمّعوا هنا من مناطق عديدة وكأنما ساقتهم الحياة إلى حيث تكشف لهم عن وجهها القبيح بالجملة وبدون مواربة أو شفقة. 

خيّموا ينتظرون الغوث والمدد على أمل أنَّ لهم من يتحسّس آلامهم ويتابع مسرة جراحاتهم.. لكنَّ صوتهم كان أوهى مدى من أن يصل إلى أسماع أولي الأمر الذين رضوا بأن تكون موزع ملفا منسيًا  أو جرحا نائما في ذاكرة معطوبة.

مئات الأسر تقاطرت من نواحِ شتى وتجمعت في مكان ظاهره الرحمة وباطنه العذاب.. حشروا فيه يجمعهم ظلم جارف شاركت فيه أطراف وأطراف.. كلا بحسب موقعه وجرأته على الظلم.. ومثلما أفرز الواقع الردي قتلة ينهبون الأرواح؛ أفرز نهابون يصادرون أقوات الناس.. وما بين القتلة والنهابون يخيّم الموت بسيادية ذابحة.. لا صوت هنا غير صوت الموت.

لقد أغراهم هذا المكان بالاختباء من أعين النار والبارود.. لكنهم لم يفكروا أنَّ الوصول إلى هذا مكان القصي الشاق سيصبح مهمّة صعبة وأنَّ الذين حملوا مسئولية الغوث والمدد فشلوا بالمهمات السهلة.. فكيف بمهمّة دونها خرط القتاد.

الجوع والمرض مخيّمان هنا.. ووجوه يبست فيها الحياة.. لا ترى فيها غير تجاعيد العوز وتغضنات الحاجة، وفداحة المصير الذي تُركوا لمواجهته منفردين إلا من مكرمات طفيفة من جمعيات متعثرة، ومن زيارات لا تسمن ولا تغني من جوع.

مات من مات هنا.. وبقي الآخرون ينتظرون موتهم بالطريقة التي يريدون: جوعا.. مرضا.. بردا.. والأقسى من كل ذلك الموت انتظارا لمغيث لن يأتي.. لقد تعطّلت الضمائر، ومات الشعور بالمسئولية، ولم يبق غير الثرثرات العابرة التي تطفح بها حناجر الانتهازيين اللئام.

هنا يفقد الزمن دلالته، وتتحول الحياة إلى فراغ قاتل، وإلى عالم خرافي مهول يرسم تفاصيله أخبار القتل القادمة مع النازحين الجدد، ويحدد خطوطه الجوع والبرد والمرض، ويصبح الموت الذي هربوا منه بالأمس بين الدخان والبارود مكانا موحشا يتربص بهم ويلتهم كل يوما طريدة جديدة منهم.

حتى حيواناتهم التي رفضوا تركها، و اصطحبوها معهم إلى هنا.. نفق عدد كبير منها، وأصبحت حثثها مصدر إزعاج بيئي مزمن.

عشرات المواليد خرجوا إلى الحياة هنا في هذا الوادي المقفر.. فتحوا أعينهم على عواصف الغبار وقيض الشمس وفتحوا أسماعهم على صرير الريح تتخللها أصوات القذائف قادمة من كل حدب وصوب.. أي مأساة أشد من مأساة طفل يولد في العراء وتحت لوافح الهجير ونوافح البرد؟؟

إن مأساة النازحين في موزع كبيرة كبيرة.. وبقدر اتّساعها فهي شبه منسية.. صحيح أن ثمّة عوامل كثيرة تجعل من الإغاثة صعبة نوعا ما لكنَّ ذلك لا يعفي أولي المسئولية من تحمّل مسئولياتهم التي سيحاسبون عليها أمام الله وأمام الناس وأمام ضمائرهم، خاصة وأنَّ الكارثة بلغت حدا لا يطاق.

فقد كثر النازحون القادمون من الصبيحة وكهبوب ومن مختلف مناطق موزع، وأصبح المكان يعج بمئات الأسر، مما يستدعي رفع وتيرة الإغاثة، وإرسال فرق طبية مقيمة تتلمّس أحوال المرضى وتقدِّم الإسعافات الأولية، خاصة وأنَّ أمراضا غريبة بدأت تنتشر بين النازحين بسبب العيش في العراء والجوع والبرد والغبار، كما يستدعي الأمر توفير عدد آخر من خزانات المياه النظيفة، فما هو متوفر حاليًا لا يكفي، كما أنَّ عددا كبيرا من النازحين يحصلون على الماء من آبار غير نظيفة، بل إن بعضها تحتوي على مياه آسنة لا تصلح حتى للحيوانات.

والأهم من ذلك توفير القدر الكافي من الخيام، فهناك عشرات الأسر تعيش تحت الأشجار، وهي عرضة لشتى أنواع الأمراض، ومن المهم أيضا الاهتمام بالجانب التعليمي بتقديم أشكال تعليمية إسعافية تتيح للأطفال مواصلة تعليمهم من جهة، وتقيهم مغبات التشرد بين تلك الأحراش والمجاهل الخطيرة من جهة.

والأهم من ذلك كله أن تبني لجان الإغاثة مجهودها على قاعدة إحصائية تتيح توزيع المواد الإغاثية بسوية وإنصاف بعيدا عن الارتجالية والعشوائية، فثمة أسر كثيرة تشكو من تجاهلها واستثنائها في كثير من عمليات التوزيع، وهو أمر مردود إلى صعوبة المهمة وتشتتها لكنَّ ذلك لا يعفي القائمين من مسألة التحري عبر سجلات إحصائية تتابع الحالات أولا بأول.

لقد صارت موزع منطقة منكوبة بامتياز.. وصار من الواجب على الجهات ذات العلاقة أن تتسارع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يكتب التاريخ ذات يوم أنَّ الذين نجوا من قذائف الأعداء ذبحهم الأصدقاء بسكين الجوع.

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى