في خندق الفقر

في خندق الفقر

هل هناك في أرجاء هذا الوطن من لم يعاني من معايشة هذه الحرب ؟!!

هل هناك من لم يعتصره الوضع بمعاناة مضاعفة طردت أي راحة ذاقها في حياته عبر أوسع أبواب النسيان والنكران ؟!!

هل هناك من لم تدفعه الحسرة لتذكر أشياء سلفت ؟!!

كنت أظن أن الحال المزري وحد البسطاء على صوت واحد يهتف : اللهم أرفع عنا هذا البلاء .

لكن تقية "العجوز" نسفت هذه الوحدة المفترضة فهي ترى أن هكذا هي الحياة دائما .

تقية عجوز صغيرة الحجم كطفلة نحيلة تقوس ظهرها قليلا من ثقل السنوات ومن حمل زوجها الضخم والمصاب بشلل جزئي فهي تقوم بإخراجه  كل صباح من داخل البيت كي تضعه في الشمس حتى تعود إليه ظهرا .

تقية تقوم بجمع قوارير البلاستيك في كيس يفوق حجمها مرات لتبيعها وتقتات من ثمنها مع زوجها المريض .

كانت قبلها تعمل راعية لسنوات طويلة قبل أن يخف بصرها وسمعها وقوتها فيستغنى عنها رب عملها.

وأنت تحادثها لن تلمح من وجهها المغطى باللثام شيئا ولن تفرق بينها وطفلة مهمشة تقوم بنفس العمل؛ كلاهما تحمل ذات الأيدي السمراء المتسخة .

لكنها فاجأتني حين ازاحت "المقرمة" عن وجه صغير كقرص الخبز قبل أن يلوحه جدار التنور؛ قد تربع على رأس أنفها خال أسود كبير يهوي إليه النظر لأول وهلة فيجذب الاهتمام عن وجه أليف كوجوه القطط الناعمة .

ابتسمت وشكرتني على الماء الذي كان متبقيا في القارورة التي ناولتها وأنا أسير في طريق جمعني بها ذات صباح .

وجدتني أتساءل ألا يوجد من يعاونها من أولادها ؟

أخبرتني أن كل أولادها الذين أنجبتهم قد ماتوا ولم يعد هناك سواها وزوجها المقعد المريض .

مشيت معها ذلك الشارع وهي تتحدث عن قصص موجعة لموت أبنائها الثلاثة فقد كانوا كل ما رزقت من أبناء في حياتها .

أثناء حديثها اكتشفت أن تقية هي الشخص الوحيد الذي لم يلعن الوضع ولم تلعن هادي أو صالح.

ولم تدعو على الحوثي أو آل سعود !!

وحين حاولت أن أفهم منها كيف ترى الوضع صدمني قول هذه المرأة أنها سمعت بوجود حرب بين اليمن والسعودية !!

لكنها في عالمها البسيط هي ذات المرأة التي تجمع القوارير قبل الحرب وبعد الحرب .

هي ذات العجوز في حجرة من البلك مسقوفة بصفائح "الزنج" بناها فاعل خير على مجرى السيل ..

هي ذات المرأة التي تعيش على إحسان من يعرف حالها وهي ذات المرأة التي لا تنتظر شيئا سوى الموت كنهاية طبيعية لحياة كلها شقاء .

لم يزدها شيئا اجتياح المليشيا أو تدخل التحالف أو تفاقم الحال بؤسا ومعاناة .

 فلديها قبل كل هذا من المعاناة ما يكفيها مدى الحياة ويجعل حياتها تتساوى من قبل ومن بعد .

يا لحياة هؤلاء الذين لا تؤثر فيهم الحرب فقد خلقوا في جهاد وكبد منذ وجدوا في هذه الحياة .

أنهم المناضلون من أجل البقاء دائما رغم أن لا قيمة لوجودهم في نظر الكثير ..

هم الذين رمتهم الحياة في بحرها مكبلين بقيود الفقر والبؤس وقالت اسبحوا إلى النجاة فغرقوا في الصبر والحمد .

الفقراء في خندق الفقر جنرالات حرب ضد الموت جوعا يقودون جيوشهم من عائلاتهم إلى بر الحياة دون نياشين أو أوسمة شكر أو حتى جنائز فخمة مهيبة في طريقهم إلى القبر .

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى