أبو بكر سالم بلفقيه.. من يشبهَك مَن؟

أبو بكر سالم بلفقيه.. من يشبهَك مَن؟

برحيل الفنان أبو بكر سالم بلفقيه تكون اليمن قد خسرت واحدا من عمالقتها المبدعين، وتكون الساحة قد خلت تقريبا من الأصوات المتميّزة، خاصة بعد أن ترجّل عن صهوة الأغنية اليمنية جهابذتها المتميّزين موتا واعتزالا.

 

شكل بلفقيه على مدى يزيد عن نصف قرن مسيرة فنية خصبة، مثلت في منجزها الفني ظاهرة غنائية يندر أن تتكرّر على المدى المنظور، كما مثّلت مدرسة متميّزة لها خصائصها الفنية المتميّزة، ولها مريدوها ليس في اليمن فقط بل في مختلف أقطارالعالم العربي.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن بلفقيه كان فنانا استثنائيا، عزّز مساره الفني بقراءات واعية لمختلف مسارب الموروث الفني اليمني الذي وجد فيه مخزونا هائلا وثريا ومتنوعا سواء على المستوى النصي أو الموسيقي، فانطلق من هذا المخزون جامعا بين الأصالة في أخص خصائصها وبين الإبداع في آفاقه الواسعة التي أهّلته للخروج من المحلي إلى الإقليمي إلى العالمي، فقد حصد خلال مسيرته عددا من الجوائز العالمية.

 

بدأ بلفقيه حياته الفنية منشدا صوفيا، وتلقفته عدد من حلقات الإنشاد في مختلف المدن الحضرمية صوتا يافعا يردد من محفوظاته ما تيسّر بصوت عذب آسر، وقد كان لهذه الأناشيد أن تستقرَّ في روعه رافدا مهما من روافد تجربته الفنية، إذ ظلَّ يعود إليها بين الحين والآخر تجديدا واستلهاما وتعريفا، ومن المهم الإشارة إلى أنّه سجل أكثر من ثلاثين أنشودة دينية في استيديوهات بيروت والقاهرة، لعل أشهرها: ياساكنين طيبة- إلى طيبة- إلى عرفات الله- يارب ياعلم الحال- بانقرع الباب- الرشفات- ابتهالات القوافي، وهذه الأخيرة وصفها بعض نقاد الفن بأنها من أجمل الموشحات الدينية على الإطلاق.

 

بلفقيه واليمن

يكاد بلفقيه أن يكون نسيج وحده حبا لبلد وانتماء إليها من بين الفنانين اليمنيين الذي تخطفتهم أضواء الشهرة خارج اليمن، وفي الوقت الذي كان غيره يتناسى مراتع صباه في أعماله الفنية كان هو يؤكد على صدق الانتماء لبلده الذي تشرّب هواها طفلا، وعشق مجالس الفن والأدب فيها يافعا، وصاحبته في حلّه وترحاله، فغنى لتريم، وللطويلة، ولسعاد الشحر، وللمكلا، ولتعز، وعدن وصنعاء، كما غنّى لوادي دوعن، ولجردان، ولشعب عيديد، وظلت هذه الأسماء مفردات حاضرة في مختلف ألبوماته الغنائية.

 

ويوم أن استقر بلفقيه في مدينة عدن زامن ذلك بدايات تشكّل الحركة الوطنية، فشهد بواكير الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني، وتفاعل معه بأناشيد لا تزال حاضرة حتى اليوم، ومنها أنشودته الخالدة اليوم يومك ياعدن التي كتب كلماتها ولحّنها ثم سجّلها في استيديوهات بيروت، والتي تقول:

 

اليوم يومك ياعدنْ

 

اليوم على الطغيان شبّيها

 

والإنجليزي لا ولن

 

يبقى ما دام النار والأحرار تحميها

 

شمسان يا ثائرْ

 

ردفان بك يفخرْ

 

ثرْ يا بطلنا ثرْ

 

ذوّق عدوّك مرْ 

 

وحين انطلقت ثورة الرابع عشر من أكتوبر وقف إلى جانب فناني وأدباء عدن في تعزيز حركة النضال بالأناشيد الثورية، فظهرت أغنيته الشهيرة تسلمي ياعدن.

 

وخلال تطوافه الفني واعتلائه عددا من المسارح الفنية في الخليج وفي القاهرة وفي لندن وغيرها من عواصم العالم كانت اليمن حاضرة في أغانيه أما بموروثها الجميل الذي عمل على تطويره وتطويعه بما يناسب المسارات الموسيقية الحديثة، وأما بأغان تعبّر عن الشوق لليالي الأنس في سيئون وتستذكر الزمن الجميل لعدن، وتناجي أحبة ربى صنعاء.

 

من يشبهك من

مثّلت أغنية بلفقيه (أمي اليمن) التي ظهرت لأول مرّة في أحد مسارح العاصمة صنعاء عام 1983م علامة فارقة في الأغاني الوطنية المعاصرة، ولقت نجاحا منقطع النظير، ولعل ذلك يعود لاستلهامها أنساقا لحنية وإيقاعية عديدة من التراث اليمني، إضافة إلى تغنيها باليمن أرضا وإنسانا، وبإشادتها بتاريخ أروى وسبأ، وقحطان أصل العروبة، ناهيك عن التوزيع الموسيقي الجميل للأغنية، والذي مثّل بساطا فنيا جميلا لصوته الدافئ الذي يتجلى في ثنايا الأغنية تارة كصوت الرعد، وتارة كانسياب الجداول، وتارة بصفاء السواحل، وتارة باخضرار أودية اليمن البديعة.

 

ورغم حضور هذه الأغنية على مدى يزيد عن ثلاثين عاما في وسائل الإعلام اليمنية المختلفة إلا أن بلفقيه لم يكتف بها، فقد أضاف إليها أنشودة أخرى في زيارته الثانية لمدينة صنعاء عام 1988م حين كُرّم بوسام الجمهورية من الدرجة الأولى:

 

يامن على مرّ الزمنْ

 

غنى وغنّى وافتتنْ

 

وذاب في اللحن الأغنْ

 

العين عين الود

 

والراء ربيب القلب

 

والباء بريد الحب

 

ومن قال أنا عربي

 

طبعا يحبّك يايمنْ

 

وقد أدى بلفقيه هذه الأغنية في حفل ساهر في ميدان الظرافي حضره عشرات الآلاف من جمهوره ومعجبيه.

 

خاتمة المطاف

وفي زيارته الثالثة لصنعاء أثناء تكريمه بدرع صنعاء عاصمة الثقافة العربية عام 2004م غنى بلفقيه أنشودته الشهيرة (اليمن طيب وأطيب ناس حلان اليمن)، وذلك في حفل ساهر أقيم في قاعة 22 مايو وحضره عشرات الآلاف.

 

والمتأمل في أناشيد بلفقيه الوطنية يلمح فيها الانتصار لليمن أرضا وإنسانا، والاعتزاز بالتاريخ المشرق، كما يلحظ التكثيف التاريخي من خلال الإشارات الواضحة للحضارات المتعاقبة، والتي مثّلت إضافات إنسانية متميّزة لن تبلى مهما طال الزمن.

المصدر | الصحوة نت

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى