أكتوبر الثورة.. برّع يا استعمار

أكتوبر الثورة.. برّع يا استعمار

 

في قصيدته الجميلة التي بعنوان (آح ياقلبي المعنّى ثمّ آح) يصور الشيخ محمد بن سالم البيحاني كثيرا من المظاهر الثقافية والاجتماعية لمدينة عدن في الفترة التي شهدت تبلور الحركة الثورية في العقد الخمسيني من القرن الفائت، وتشير القصيدة إلى ذلك الحراك الثقافي الذي أداره العلماء والمثقفون والفنانون، ففي الوقت الذي كانت مساجد المدينة عامرة بمختلف حِلَق العلم؛ كانت المخادر  الفنية مزدانة بالأغاني الجميلة التي تجمع الناس في مختلف المناسبات الجميلة، وكانت مجالس الأدب عامرة بالشعر والنقد كما تشير القصيدة..

 

في وسط هذه الأجواء تخلّق الأدب الثوري في مدينة عدن على وجه الخصوص.. وأتاح القدر المتوفر من الحرية فرصا متواضعة في التبشير بالثورة، فقد كانت المجالس الأدبية التي يديرها الشعراء الكبار في منازلهم كمجلس الدكتور محمد عبده غانم ومجلس الشاعر لطفي جعفر أمان كانت مرتادا لمشاهير الأدباء أمثال إدريس حنبلة ومحمد سعيد جرادة وغيرهم ممن حملوا على عاتقهم لواء التبشير بالعمل الثوري ضد المحتل الإنجليزي بشتى الطرق والوسائل المتاحة إلى درجة أن الشاعر محمد سعيد جرادة عمل حكواتيا في أشهر أحياء مدينة عدن، وكان يقيم كل ليلة حلقة في هذا الشأن يمسك فيها الدف ثم يحكي حكاية من التراث الشعبي مطعّمة بنقرات الدف، وكان يضمّن هذه الحكايات الكثير من المضامين الثورية حتى أن السلطات البريطانية أدركت ذلك، فمارست التضييقات على هذه الحلقة حتى تم إيقافها.

 

ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن الحراك الأدبي الثوري كان مرتبطا بالحراك النقابي ذلك أن معظم الأدباء الذين كانوا يديرون عجلة الثورة أدبيا كانوا يديرونها أيضا نقابيا باعتبارهم أعضاء في تلك النقابات المختلفة ومن هنا تمَّ التواشج والتكامل بين شتى مكونات الحركة الثورية، مما أدى بالانتقال إلى المرحلة الأكثر وضوحا والتي شهدت ظهور القصائد النارية المندّدة بالاستعمار، والتي منها قصيدة الشاعر لطفي جعفر أمان:

 

أخي كبر الفجر في أرضنا

 

وأجلى الزمان لنا يومنا

 

على الدرب تزحف منا الجموع

 

تدق .. وتلهب إصرارنا

 

تشد أيادينا عزيمة

 

تكاد لها الشمس أن تذعنا

 

أخي .. كبرياء النهار العنيد

 

تميل اختيالا بأفواجنا

 

فأين الأعاصير من زحفنا؟

 

وأين الصواعق من ضربنا؟

 

على هامة النجم صك الكفاح

 

فخارا وسام انتصاراتنا

 

كما ظهرت قصيدة الشاعر محمد سعيد جرادة التي يشنّع فيها على المستعمر البريطاني واصفا إياه بأبشع الأوصاف داعيا إلى الثورة عليه:

 

أرضي وفيها طعنة مسمومة

 

تدمي فؤاد الشاعر المتألمِ

 

فيها القراصنة اللئام صلاتهم

 

بشريعة الغابات لم يتصرّمِ

 

حمر الوجوه مشوّهون كأنما

 

نبتت جسومهمُ بأرضِ جهنّم

 

ومن المهم الإشارة إلى أن نجاح الثورة في الشمال أعطت الثوار في الجنوب دفعة قوية وخاصة الأدباء منهم، إذ  ظهر بعد ذلك شعراء كثر أثروا الشعر الثوري، وقفزوا به إلى مراحل متطورة من الخطاب الثوري، كان منهم الشاعر عبده عثمان الذي يقول في إحدى قصائده:

 

كانت الساعة لا أدري

 

ولكن..

 

من بعيد شدني صوت المآذن

 

ذهل الصمت تداعت في جدار الليل ظلمة

 

وتمطى في دمائي حب شعب

 

وأطلت عشرات الأحرف الحمراء.. أسراب القوافي

 

مد بحر لا يحد

 

قاعه قلب ووجد

 

ومن المهم الإشارة إلى الدور التنويري الكبير الذي لعبته إذاعة عدن التي بدأت بثها الإذاعي يوم 17 أغسطس 1954م، عبر سلسلة من البرامج الثورية التي قدمتها، والتي بدأت تضفي عليها الطابع النقابي حتى إذا ما قويت شوكة الثورة انتقلت بهذه البرامج إلى الإطار الثوري الصريح.

 

ومثلما نجحت إذاعة عدن في تقديم هذه البرامج الثورية نجحت أيضا في استقطاب كثير من الفنانين الشباب إلى مضمار الأنشودة الثورية، فظهرت أناشيد ثورية عديدة، منها:  برّع يا استعمار  لمحمد محسن عطروش، وتسلمي ياعدن، واليوم يومك ياعدن لأبو بكر بلفقيه، وياشاكي السلاح لعبدالله هادي سبيت، وهنا ردفان لمحمد مرشد ناجي، وياظالم ليش الظلم ذا كله لاسكندر ثابت، وأخي كبلوني لحسن عطا، وغيرهم ممن أشعلوا سماوات الأدب بقناديل الثورة، حتى إذا ما تحققت ثورة 14 سبتمبر عام 1963م انطلق الأدباء والفنانون يواصلون تعزيز مسارها، فظهر أناشيد كثيرة.

 

وعودا على بدء ينبغي التأكيد على أهمية الحراك الثقافي الحاضن للثورة الأكتوبرية منذ أمشاجها الأولى حتى لحظة البزوغ وما بعده حين خرج المستعمر مهزوما يجرُّ أذيل الخيبة والبوار مصداقا لقول الشاعر جرادة:

 

ياويحَ شرذمة المظالم عندما

 

تطوى ستائرها ويفضحها الغدُ

 

وغداً سيدرى المجد أنّا أمة

 

يمنية شمّا.. وشعب أمجدُ

 

وستعرف الدنيا وتعرف أنه

 

شعب على سحق الطغاه معوّدُ

 

فليكبت المستعمرون بغيظهم      

 

ولينجلوا.. وليخسأ المستعبدُ

 

كما ينبغي التأكيد على الأدوار التبادلية لثورتي سبتمبر وأكتوبر فلولا ثورة سبتمبر في الشمال ما كانت لتنجح ثورة أكتوبر في الجنوب، ولولا ثورة أكتوبر ما كان لثورة سبتمبر أن تستوي على سوقها قوية ومثمرة، وكلا الثورتين نموذج إنساني فريد اختلط فيه الدم اليمني من الشمال والجنوب تأكيدا على أنَّ كل المشاريع التي تعمل بعيدا عن هذا النموذج الوطني الجامع آيلة للسقوط كما سقطت من قبل تلك المشاريع الاستعمارية أو الكهنوتية تحت أقدام وطنواحد.. اسمه اليمن.

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى