لماذا يكرهوننا؟

لماذا يكرهوننا؟

لماذا تنتج مجتمعاتنا العربية المتخلفة الأسئلة العدمية الماضوية السلفية بشقيها الإسلامي والعلماني؟ قد نتفهم عدم قدرتها على الإنتاج في مجالات الاقتصاد والتقنية والمعرفة بشكل عام نتيجة لظروفها الراهنة، لكن أن تنتج أسئلة مكررة تستجرها من ماضيها ولا تعني حاضرها المعاش ولا تعني مستقبلها على افتراض أن لها مستقبل- وتقوم بعملية إعادة تدوير أسئلة الإنسان القديم الذي عاش في حدودها الجغرافية، ربما كانت هذه الأسئلة في ذلك العهد لها وقع ومعنى، أما الآن فليس لها سوى معنى واحد؛ هو أن هذه المجتمعات قد وصلت إلى مرحلة انتهاء صلاحيتها، ووصلت إلى مرحلة تشبه مرحلة انقراض الديناصورات، وليس لديها حتى القدرة على شرف المحاولة للنهوض من كبوتها.


لم تستطع هذه المجتمعات الإجابة لا عن أسئلة القرن الماضي ولا الذي قبله وهي مرحلة انحدارها نحو الضياع، لماذا ننحسر ونتلاشى أمام الأمم الأخرى؟ ربما لأن الأمم الأخرى لها هوياتها التي تلوذ بها، في الوقت الذي كنا نخترع القومية العربية في القرن الماضي، على أمل أنها ستوحدنا، لكنها أتت مع مرحلة التقسيم القسري للمنطقة حيث تم توزيع المنطقة إلى مساحات جرداء وكانتونات لا يمكن أن تنشأ فيها دول حقيقية، وإنما رعايا يجب أن يخضعوا لنتائج سايكس بيكو، وحتى بعد رحيل الاستعمار تُركت السلطة في المنطقة لقبائل وعشائر وقيادات مصنوعة من ورق لا تملك مشاريع تنمية ولا بناء ولا صناعة دول قائمة على المؤسسات. ظلت القومية المخترعة باسم العروبة والعرب مجردة من الفعل وغير قادرة على التحول إلى واقع ملموس، كانت مجرد شعار ومازالت، فلا تعاون حقيقي ولا خطوات عملية لتحويلها إلى تعاون اقتصادي وسياسي وصناعي يعود بالخير والوفرة على الشعوب، وبذلك لم تستطع هذه الدول من الارتكاز على قوميتها وخصوصيتها المحلية وظلت دولا بلا وظائف.

 

بعض الأوساط الثقافية كان لها دور في مجتمعاتها في خلق أسئلة قابلة للأخذ والرد ووضع الحلول، لكنها كانت مبعدة عن مراكز القرار، وعندما جاءت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر في هذا القرن كانت الأوساط الثقافية لم تزل أمام سؤال القرنين الماضيين. لماذا تقدموا وتأخرنا؟ كان على هذه النخب الجديدة أن تجيب على سؤال لماذا يكرهوننا ويحبون الهند مثلا؟ لقد تحولت هذه الأمم الفاشلة إلى عالة على العالم برغم ثروتها وقوتها الاقتصادية، صار المواطن العربي إرهابيا أينما حل أو ارتحل، صارت العروبة شبهة فوق شبهة الديانة الإسلامية، بحسب زعم الأنظمة الغربية إن الإرهاب مرتبط بالإسلام والمسلمين.

لم يستطع مسلمو الشرق الأوسط الرد على السينما الصحافة والإعلام الغربي بأن الإسلام لا علاقة له بالإرهاب، وحده الفنان المسلم الهندي (شاه روح خان) -بمعية الفنانة الجميلة ( كاجول )- رد ردا عمليا في فيلم "اسمي خان ولست إرهابيا" على العنصرية الأمريكية ضد الإسلام والمسلمين واتهامهم بالإرهاب، وقابل الرئيس الأمريكي وقال له اسمي خان ولست إرهابيا، بعد سلسلة مشاهد من المعانة والعنصرية والإنسانية الصارخة في وجه العنصرية الأمريكية، كان خان قد نشأ على فكرة أمه التي أخبرته ذات يوم عندما سمعته يردد عبارة "سنقتلهم" عند حدوث اضطرابات بين الهندوس والمسلمين : "ثمة نوعان من الناس في هذا العالم، صالحون يقومون بأعمال صالحة، وسيئون يقومون بأعمال سيئة، وهذا هو الفرق الوحيد بين الناس ولا شيء آخر"، هذه الفكرة هي التي صنعت شخصيته مع أن بنيته ضعيفة كما ظهرت في الفيلم وشبه معاق اليدين، إلا أن قوة الحجة لا إعاقة تقف أمامها.

وبينما فيلم اسمي خان هز العالم كانت السينما والدراما المصرية تنتجان تهما جاهزة للإسلام والمسلمين بالإرهاب ودخلت على الخط قنوات عربية وغيرها بتكريس أفكار الاستخبارات التي ارهقت الشعوب والأفراد بإنتاج كل ما هو هابط للنيل من الإسلام ذاته تحت غطاء النيل من الإسلاميين.

 

 سبق الربيع العربي سؤالا استفزازيا هو الأهم على الإطلاق في عصر الانحطاط العربي الكبير، على لسان الشاعر العربي أحمد مطر: "أيها الشعب لماذا خلق الله يديك؟" فكان خروج الشعوب العربية في دول الربيع الأربع للرد العملي على أحمد مطر وسؤاله المستفز.

 

بعد الربيع العربي الذي جوبه بثورة مضادة تبقى لدينا جيل الربيع العربي أسئلة تحتاج الى إجابات شافية: هل مشكلتنا تتمثل في موقعنا أم في اثنيتنا أم في معتقداتنا؟ ماذا علينا أن نفعل؟ كيف سنخلق دولة بمؤسساتها اللازمة؟ ما السبيل للنهوض والعودة من عوالم الغياب إلى عالم الشهادة والحضور؟

 

كان للربيع العربي أسبابه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما تحدثت عنه بعض الأبحاث والدراسات، لكن لا أحد تجرأ وتجرد للبحث في الأسباب الثقافية لهذا الربيع، لأنه بمجرد الخروج بمعرفة الأسباب الثقافية ستكون فلسفة الربيع لكل دولة من دوله قد اتضحت، بمعنى السؤال الوجودي لكل شعب سيكون واضحا، وسيدرك الناس الإجابات الشافية وسيصلون إلى مرحلة وضع الحلول، والتي من بينها جمع مكونات الشعب على كل الأسس الجامعة لها والابتعاد عن كل مثيرات الخلاف الترفي، وسيكون الطريق نحو بناء الدولة واضحا، ولن تكون الاستثناءات مقدمة على الأساسيات، ولن توضع العربة قبل الحصان، وسيعرف رواد النهضة الجدد الأهم ومن المهم، وسيدركون من الذي كان يجب أن يوجد أولا البيضة أم الدجاجة.

 

بدون ثورة ثقافية معرفية لن يصل الناس إلى هدف ولا إلى حقيقة، وستمتد سنوات التيه وربما تصل إلى مرحلة انقراض العرب كالديناصورات. لا يمكن لنا نحن شعوب هذه المنطقة من العالم أن نرى النور مهما كانت رفاهيتنا وما حصلنا عليه من تعليم ومعرفة وكيفما كانت أشكالنا وأذواقنا إذا لم نخرج من مرحلة الأسئلة السلفية التي لم تأت من عدم، وإنما أتت بفعل فاعل، ليست نظرية المؤامرة ما أستند إليها الآن، بل وقعت في يدي قضية في زمن الطيبين، كان يقوم المخبر أو موظف الأمن برمي الصنارة للمؤمنين حول وجود كفر في أحد النصوص الأدبية، ويقوم المخبر الأخر في الطرف الأخر بالاعتراض على ردود أفعال المؤمنين بالكفر بهم وبطريقتهم في التفكير، وفي الليل يلتقيان عند القائد ويشكرهما لجهودهما المبذولة في خدمة السلطة القائمة على التحريش بين الديكة. وبهذه الطريقة خضنا نقاشاتنا العربية السابقة برمتها، بطريقة عدمية وانتصارات وهمية وعدمية المجتمع المؤمن ونقيضه في حرب كلامية لا تكسو عاريا ولا تشبع جائعا ولا تميط الأذى عن الطريق، وبهذه الطريقة خلق آلاف الجياع والحمقى والمغفلين، بعمائم وربطات عنق بلحى وبدون لحى.

 

في لحظة الضياع هذه التي نمر بها في المنطقة الممتدة من حدود التخلف القصوى إلى حدود الجهل العليا حيث لا دولة ولا مؤسسية ولا استقرار، تثار مواضيع مثل المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، فينبري لها القوم وتظهر الأدلة، ونسى الجميع ماذا سنرث وماذا سنورث ونحن بلا دول وبلا اقتصاد وبلا شركات عابرة للقارات؟ ماذا يعني الجياع سؤال المساواة من عدمه؟ وكم هي نسبة الزيادة المختلف عليها إذا لم يكن الورثة من أبناء ملاك شركات موبيل، وشيل، و وول مارت، وبريتيش بتروليوم، و فيتول، فما الفائدة من القسمة والميراث برمته؟ 

 

قضية قتل المرتد التي تثار الآن أيضا هي ترف فكري في غير محله، بينما القتلى في الشوارع والجثث تأكلها الكلاب تثار هذه القضية! وكذلك قضية ضرب الزوج لزوجته، يثيرها البعض في الوقت الذي تضرب فيها المليشيات المدن والحارات بالصواريخ والقنابل والمدافع والبراميل الحارقة، إننا امام إشكالية في طريقة تفكير مثقفينا اللذين يفترض بهم التنوير والبحث عن حلول لإخرج الشعوب مما هي فيه لا اغراقها في قضايا ماضوية، يسألني صديق حداثي علماني هل كان هناك أنبياء سود؟ قلت له بحسب البوم الصور الذي احتفظ به كأني لمحت ثلاثة من السود بينهم. القضية ليست شكل ولا لون ولا عرق النبي بقدر ماهي الرسالة التي يحملها، لكن من يقنع لنا المثقف المزيف؟ يدعي آخر أن المسلمين ذهبوا إلى أوروبا بحثا عن النساء البيض، وإلا لماذا لم يذهبوا إلى افريقيا؟ تحدثه عن صراع الإمبراطوريات في ذلك العهد وهو صراع نفوذ سياسي واقتصادي، مرورا بالمناطق الساحلية المؤدية من أوروبا إلى الشرق الأوسط والعكس، وهي مناطق شد وجذب بينما الطرف الأخر من أفريقيا لم يكن ضمن تلك الحدود الجيوسياسية، فلا يقتنع، وتسأله لماذا غزت أوروبا مصر والشام وشمال افريقيا قبل وبعد ظهور الإسلام وهي أراض عربية؟ هل كانوا يبحثون عن ذوات البشرة القمحية مثلا؟

  كل الأسئلة الترفية تخرجنا عن واقع اللحظة التي نحن مطالبون فيها أمام هذه الشعوب وأمام الأجيال القادمة بإجابات شافية لم نضع لها حتى هذه اللحظة أسئلة مناسبة. ومن لا ينتج أسئلة لا ينتج إجابات ولا ينتج معرفة.

 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى