الإصلاح.. الفكر والممارسة (تقرير)

الإصلاح.. الفكر والممارسة (تقرير)

يمثل الفكرُ جوهرَ الوجود لأيِّ منظومة إنسانية، فكما أنه خارطة الطريق لإنجاز الأهداف؛ فهو أيضا الإطار العام الذي ينتظم فيه سلوك الأفراد في نسق جامع مانع يجعل من اللبنات المتفرقة بناء محكم التشييد، قويا، قادرا على التأثير، ومن هنا فقد اهتمّت الجامعة البشرية منذ فجر الإنسانية بالفكر، وجعلته اللبنة الأولى لأي بناء، وأثبتت التجارب الطويلة أنَّ أي منظومة لا تمتلك فكرا فإنها جدار آيل للسقوط، وخرابة تأوي إليها أشباح الفناء والاندثار. كما أثبتت الايام ان اي فكر لم يترجم إلى ممارسة فإنه يظل حبرا على ورق لا يسمن في الإنسانية ولا يغنيها من جوع.

 

ومن هذا المنطلق حرص التجمع اليمني للإصلاح على حامله الفكري، وسعى ما وسعه الجهد في أن يلتقي في هذا الحامل الموثوقية من جهة، واستيعاب التراكم الفكري الإنساني في جانبه النبيل من جهة ثانية، وأن يكون من جهة ثالثة شجرة نابتة في الأرض اليمنية، ضاربة جذورها في التراث الإنساني العظيم الذي خلّفه الجهابذة المتميزون من أعلام المصلحين منذ فجر النبوة حتى يوم الناس هذا، كما حرص على أن يكون هذا الفكر ليس مجرد نظريات مدونة في بطون الكتب والأدبيات المختلفة، وإنما واقعا معاشا يعيشه أعضاؤه المنتسبون، يتنفسون أنسامه، ويسيرون في بلوغ أهدافهم بوحي منه وبمقتضى خصائصه وآفاقه.

 

وقد تميّزت المسيرة الفكرية الإصلاحية بجملة أمور، جعلت منه تنظيما متفرّدا ، متميزا بين فرقاء العمل السياسي، نتناول في هذه العجالة بعضاً منها:

 

آفاق رحبة                  

 

يمكن القول أنَّ الآفاق التي يرتادها الإصلاح في كافة أنشطته وممارساته هي آفاق رحبة، لا تقف عند الحاضر رغم انفتاحها على مختلف آفاقه الإيجابية، ولا ترتهن للماضي رغم اعتزازها بكل جميل فيه، فهي خليط متجانس تلتقي فيه إيجابية الحاضر بجمال الماضي في توافق رائع انعكس على قواعد الإصلاح وعيا عميقا بأهمية أن يعيش إنسان اليوم واقعه بشخصية يتكامل فيها كل ما من شأنه جلب النفع وإبعاد الضرر.

 

ومن رحابة الإصلاح المشاهدة واقعاً أنه ليس مظلة نخبوية يأوي إليها علية القوم من الساسة والأكاديميين والعلماء، وإنما هو دوحة مورقة باذخة الطول والعرض يأوي إليها كل المؤمنين بالوطن، المنتمين إليه، الساعين في أن يعيش إنسان اليوم عيشة كريمة بعيدة عن كل أشكال المهانة والاستلاب، ووفق هذا المنظور الواسع انضمت إليه مختلف شرائح المجتمع، والتقى الفلاح مع العالم، والعامل مع الأديب، والبائع المتجول مع الأستاذ الجامعي في إطار يعطي لكل هؤلاء حقا واحدا، ويضعهم أمام واجبات موحّدة لا فرق فيها إلا بمقدار البذل والجهد.

 

ومن رحابة الإصلاح أيضا انفتاحه على مختلف التيارات الإسلامية والوطنية، مؤمنا بأن المذهب الذي ينبغي الاجتماع فيه هو الوطن، وأن كل ما ينتمي إلى الإسلام هو جزء منه لا نبتة غريبة عنه، ومن هنا فقد التقت فيه المشارب المختلفة، وحين حضر الوطن في الفكر والممارسة غابت تلك الانتماءات الضيقة، حتى صدق فيه قول القائل: ليس في الجبة غير الوطن.

 

صدق الانتماء

 

وعودا على بدء يمكن القول أنَّ الإصلاح ليس فكرة مستورة من خارج الحدود، وإنما هو نبتة يمنية خالصة ترعرعت تحت سماء الوطن، وتنفست أنسامه، وعاشت قضاياه من الأمس البعيد، وأعطت ثمارها أسفارا من الفكر الخالد عبر سلسلة متواصلة من العلماء المعروفين، منهم على سبيل المثال لا الحصر عبدالرزاق الصنعاني، وصالح بن مهدي المقبلي، والمحمدون الثلاثة: الوزير والأمير والشوكاني، ولا تزال العطاءات ثرّة مستديمة.

 

ولقد ترجم الإصلاح صدق هذا الانتماء عمليا، ففي كل القضايا السياسية التي خاضها في مختلف مواقعه، إذ كانت اليمن هي البوصلة التي تحكم مسيرته سواء في المعارضة أو في السلطة، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الوطن أكبر من كل المكاسب الآنية، وأوسع من كل الانتماءات الضيقة، ولقد دفع ثمن هذا الموقف الوطني غاليا، ولا يزال حتى الآن يدفع هذه الضريبة دون تخاذل أو تراجع.

 

الانفتاح على الآخر

 

الإصلاح ليس تابوتا منغلقا، وإنما فضاء منفتحا على مختلف الآفاق والمسارح السياسية والفكرية، ومن بين الأحزاب اليمنية أثبت الإصلاح قدرة كبيرة على الالتقاء مع مختلف القوى السياسية في الساحة، فأينما وُجدت المصلحة الوطنية فثم متاح للعمل السياسي، وهو في كل ذلك لا يعلن عداء لحزب ولا قطيعة عن مكون سياسي، ولكن تركيزه ينصب على القضايا الوطنية ذاتها بغض النظر عمن يقف خلفها، و يقف ضدها فكلنا أبناء الوطن، والأيام كفيلة بإظهار صواب الصائب وخطأ المخطئ.

 

الإصلاح وقضايا المرأة

 

تحتل قضايا المرأة حيّزا كبيرا في الأطروحات السياسية اليوم، على أن كثيرا من هذه الأطروحات تقوم على خطاب مخادع، حين تقحم قضايا المرأة في المناكفات السياسية، والجدال الفكري، بعيدا عن المصداقية في الطرح.

 

وقد اتّهم الإصلاح غير مرة بأنه ضد المرأة، وأنّه يعمل على كبحها وسلبها كافة حقوقها، وغير ذلك من التهم التي تُطرح بين الحين والآخر من مختلف فرقاء العمل السياسي.

 

ولأنَّ النساء شقائق الرجال؛ فقد أثبت الإصلاح انتصاره لقضايا المرأة، فوصلت فيه المرأة إلى مصادر القرار العليا، وخُصِّصت في الأمانة العامة للحزب دائرة خاصة بالمرأة، وشاركت المرأة في إدارة مختلف القضايا داخل التجمع، ولم يقف الأمر عند المستويات العليا ؛ وإنما شمل مختلف المكونات الجماهيرية والشعبية داخل الإصلاح، فعملت المرأة الإصلاحية على إقامة الدورات التثقيفية للمرأة، ومحو الأمية الفقهية والسياسية والفكرية منها، وحققت الدوائر الفرعية إحصائيات مذهلة في هذا الجانب يقف المتأمل المنصف منها موقف إجلال وإكبار.

 

الحياة المدنية

 

حرص الإصلاح في مجمل تحركاته وسكناته على تمثُّل السلوك المدني، إيمانا منه بأن الأحزاب السياسية لا يمكن أن تكون بديلة عن الدولة في أي حال من الأحوال لا في وظائفها العسكرية ولا في وظائفها السيادية، وإنما هي إحدى منظمات المجتمع اليمني، ومن هنا فقد انتقى أدواته للعمل السياسي بعناية وفق الدستور والقانون، فرأى في المظاهرات الجماهيرية منبرا قانونيا بإمكانه أن يوصل رسالته واضحة جلية في أي قضية من القضايا الوطنية ابتداء من مظاهرات الدستور في بداية تسعينيات القرن الفائت وحتى مظاهرات الثورة السلمية في 2011.

 

كما رأى في الملتقيات الجماهيرية والمؤتمرات أداة أخرى سلمية يوصل فيها رسالته كاملة دون مواربة أو نقصان، فكانت كثير من مؤتمراته الدورية محطات مهمة، وكانت مؤتمرات أخرى في هذا السياق ولعل أشهرها مؤتمر الحرب والسلام عام 1994م.

 

وفي مجال العمل الجماهيرية استخدم الإصلاح كثيرا من الأدوات المدنية، كالصحف والمجلات، وإصدار الكتب، والمسرح، وشريط الكاست، والمسابقات الثقافية، والمهرجانات الطلابية وغيرها.

 

وفي دخوله السلطة في التشكيل الثلاثي مع المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي بعد انتخابات 1993م ثم في التشكيل اثنائي مع المؤتمر الشعبي العام بعد حرب صيف 1994م رأى الإصلاح أنه يمكنه من خلال هذا الإطار أن يساهم في إصلاح بعض المسارات السياسية بشكل سلمي وفاعل لاقترابه من مصدر القرار، وحين أدرك عدم إمكانية ذلك انسحب من السلطة إلى المعارضة، فاستهدفت كوادره في مختلف المرافق الحكومية، وجّرد أتباعه من مختلف المناصب حتى تلك التي كانت لهم قبل قيام الوحدة اليمنية، فسعى في إنكار ذلك بطرق سلمية قانونيه، ثم ارتأى أن يكوِّن مع فرقاء العمل السياسي في المعارضة تكتّل اللقاء المشترك كواجهة قوية للمعارضة، كان الإنجاز الأول لها كسر حاجز الخوف وترشيح الراحل فيصل بن شملان في انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2006م، وصولا إلى الثورة السلمية في العام المذكور.

 

ولقد سعى الإصلاح في تأكيد ذاته مدنيا من خلال إنشاء المراكز والمؤسسات ذات الطابع المدني، ومنها المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية التي كانت تصدر عنه مجلتي (نوافذ)، و(شئون العصر)، وصدرت عنه كتب كثيرة، ومن خلال مؤسسة باكثير الأدبية، وغيرها من المؤسسات التي لو أتيح لها العمل بعيدا عن المضايقات والمكايدات لآتت ثمارها طيبة هنية.


المصدر| الصحوة نت

 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى