أنا أتغير

أنا أتغير

 

مررت في حياتي بمحطات كأن التاريخ توقف فيها ويد تأخذني نحو التغيير، تغيرت حياتي وأفكاري وانعكس ذلك على كل ما حولي، سلوكي تغير أيضا، وبقت في الذاكرة ملامح لكل مراحل حياتي، لا أريد أن أحكي لكم قصة حياتي، فقط أريد ان أوضح أنى اتغير وتتغير المسلمات، فمن مرحلة السماع والتلقي إلى مرحلة البحث والجدل وأهم المراحل التي مرت هي مرحلة الشك، لكن المشكلة تكمن في مرحلة التيه هذه حيث لا فكر ثابت لا وطن لا استقرار لا أنا هناك ولا أنا هنا.

 

وفي هذه الظروف يسخر منك حجر سائلة ملقى على قارعة الطريق أنك تغيرت وتغيرت أرائك ومواقفك من الأحداث، أنا يا صديقي بشر التجربة تؤثر في مساري والقراءة بنوعيها في كتاب الحياة الكبير أو في المؤلفات تجبرك على كسر العود اليابس الذي تكون لديك مسبقا. المعرفة بدروها تدعوك صباح مساء إلى نبذ القطعيات المعرفية والخوض في الظنيات أكثر والاستنباط والترجيح وتكوين الرأي، ونقض الرأي بغيره ولا ثبات لرأي بدون حجج منطقية، ومن عاش نظرية الشك المعرفية لا يستحسن البقاء في زاوية –في زوة بالبلدي- وإنما يتنقل بين الغصون الطوال ويختار ويجرب ويعيد النظر ويقيس المسافات ما بين كل غصن وغصن.

 

يا كل أحجار السائلة تنحي جانبا لست أنا من يتوقف حتى يتوقف عقلي، فإن توقف هو وقفت أفكار حاولت غرسها ولا أشك أبدا أنها قادمة، واختصارا للمسافات والجهد والوقت فإن قضيتي هي اليمن لا سواها، اختلفت واتفقت مع غيري حولها وكل ذلك ليس مهما، المهم أن القضية واحدة، اذهب أنا وهم لكن اليمن باقية وقضيتها أمانة الأجيال المتعاقبة.

 

صغير أنا أمام أمتي اليمنية وأمام وطني واشعر بالعجز أحيانا واتذكر حاجتي لإحياء روح الأمة وبعثها فابعث من جديد، أولد في الصباح وأموت مع الغروب واستيقظ في المنتصف مفزوعا ماذا حل بالناس والبلد، مشدودا نحو القضية التي أعيش لها.

 

بعد سقوط الدولة لم يحدث لنا استقرار، ذهبت الدولة بأحزابها ومنظماتها وحرياتها وديمقراطيتها، وتبقى من يصنف الأخرين، غير مدرك أن ما بعد الانقلاب على الدولة ليس كما قبله، والأحداث متسارعة، اليمني صار اليوم مهانا في الداخل والخارج، في الداخل من قبل المليشيات، وفي الخارج من قبل فاسدي الشرعية، ومن قبل دول العالم التي لا تعترف سوى بوجود دولة للتعامل معها، صار الجواز اليمني وثيقة شبهة من كثر إصرار النظام البائد على رسم صورة اليمني على أساس أنه "الإرهابي المحتمل"، وجاءت الحرب وكادت تنتهي وهناك من يصر على أن اليمني إرهابي سواء كان مسلما أم ملحدا علمانيا أو إسلاميا أو حتى بطيخيا هو إرهابي يحمل جوازا أزرقا غير ذي قيمة معنوية ولا يؤهل حاملة الا لدخول السودان الشقيق بدون فيزه، ومن يتعصبون لدول الإمارات والسعودية وقطر وإيران وموزمبيق غير مسموح لهم بتعدي كوانترات مطاراتها لكونهم من اليمن التعيس.

 

"عدونا الحوثي وصالح"، مسلمات ما بعد الانقلاب، لكن هذه المسلمات قابلة للتغيير أيضا، من أتوا لاستعادة الدولة تناسوا ذلك وغيروا الدفة نحو محاربة الإرهاب، والإرهاب كلمة ملغومة لا تعني سوى كل مواطن يمني لا يحمل سوى همه وهم أسرته ودولته المفقودة، في المحصلة زاد عدد الأعداء وتناقصت أعداد الشعب؛ موت وقتل وتشرد وهروب من الواقع، من صنعناهم أو صنعونا كأعداء تاهوا وتهنا، الناس في مرحلة حرجة لا ينفع فيها الهروب لا من اليمن ولا من الواقع، وعلينا أولا معرفة أن سقوط الدولة اسقط كل المسميات والكيانات المألوفة من الأحزاب إلى المؤسسات، لقد عدنا شعبا بدائيا لا نملك دولة ولا سلطة حقيقية على أرضنا، وعلينا أن نترك التصنيفات الغبية كلها لأنها تستهلكنا وتستهلك كل ما تبقى لنا من قدرات، والغريب أنه حتى في زمن المقاومة هناك من ينشغل بالسياسة وأنتم ونحن، إن استخدام المسميات كلها باطل قانونا وعرفا وواقعا، والخلاصة أنا وأنت بلا وطن، وهناك خطر يجتث الوطن والهوية والذات اليمانية.

 

التوقف ومراجعة الموقف أهم خطوة نحو استعادة اليمن من سلابها القدامى والجدد، لم نبحث عن أعداء ولكن كنا بلا مشروع فصرنا مشردين بين مشاريع متضاربة، والخلاصة تكمن في فهم مشكلتنا والتوغل في عمق القضية اليمنية بدلا من البقاء والذهاب نحو الأيدولوجيات الميتة.

 

إحياء اليمن في أفكارنا وأحلامنا ويومياتنا وثقافتنا ومنحها ما تستحقه من اهتمامنا هو الطريق لاستعادتها وإعادة بنائها، اليمن ليست ترفا وليست مسألة ثانوية بالنسبة لنا أبنائها، هي كل حاضرنا ومستقبلنا ونحن اليوم نسجل تاريخنا فيها، بعد خمسة قرون سيتم تذكر هذه الظروف العصيبة التي مرت بها البلد وسيذكر التاريخ عمل كل منا، من كانت اليمن قضيتهم ومن كانت سلعتهم للتجارة والتكسب عبرها، من لا يقرأون التاريخ لا يعني لهم شيئا هذا الكلام، هو مجرد حشو زائد، وهم يعيشون اللحظة مستمتعين بما حصلوا عليه من مكاسب سواء من الشرعية أو من الانقلاب.

 

ورغما عنهم وعن غيرهم اليمن ستعود، الأعمق حضارة لا يزول، الانقى ثقافة وسلوكا لا ينتهي، الأصلح لهذه الأرض فلاحها والبتول، واليمن ليست أما للتافهين، هي بنت كرب وأم تبع ومهوى أرواح قحطان وال وتر وشمر يهرعش وأسعد الكامل والمخلافي والزبيري والنعمان وصعاليك الله الخالدين.

 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى