الطفل ماهر.. قصّة يُتم متجدّدة

الطفل ماهر.. قصّة يُتم متجدّدة



أن يفقد الطفل أباه فتلك فاجعة دونها كل الفواجع.. إنها بالمختصر المفيد انهيار كلّيٌ لسماء حياته، وتوسّع طاغ لكثبان الرمال المجدبة، وانحسار للمسافات الخضراء في مسيره المحزون..


ومن رحمة الله بنا أن مصيبة الفقد حين تحلُّ بالقلب المحب يكون لها مع وجيبها المرعب ألطاف خفية ورحمات غير منظورة، لا تلبث أن تجبر ما انكسر وتشعب ما انصدع، وتسري في القلب المفجوع طمأنينة تنسيه فاجعته تارة بالرضى، وتارة بالتأسي، وثالثة بشيء لا يدرك القلب كنهه لأنه سر من أسرار الرحمة الإلهية.


غير أنّ ماهر الصبي ذا السنوات التسع يعيش مأساة فقده لأبيه خارج هذه المعادلة.. لأنه يعيش يتماً متجددا حتى إشعار آخر..


التقيت ماهر برفقة خاله في مدينة التربة حيث يتمدد هناك أحد مخيمات النازحين لا مأساة واحدة، وإنما مآس متعدّدة، مختلفة اللون والطعم والنكهة.. وتكاد تكون بعدد القابعين هنا بانتظار فرج لا تباشير له على الأفق في ظل موجة القتل والترويع والتهجير المحمومة التي تدار بشهية جزار، وعنجهية متسلّط ضد هذا الشعب الطيب.


كان ماهر مع أبيه وأمه عشاً سعيدا تشرق عليه شمس المحبة كل يوم.. يعمل الأب بائعا متجولا في أحد أحياء مدينة تعز، ويجني من وراء هذه المهنة ما يجعل الأسرة الصغيرة في سعة من العيش وما يجعل ماهر الإبن الوحيد يمارس تدلله وشقاواته على أبويه بكل أريحية.. وما يجعل الأب يدِّخر في أحد بنوك المدينة شيئا من المال كلما سنحت له سانحة من رزق وسعة، مؤمنا أن اليوم الأسود في ظل التداعيات التي سبقت الحرب قادم لا محالة، وأنه لا بد من إعداد العدة، والتهيؤ لأسوء الاحتمالات..


وحين وصل الحوثيون القتلة إلى هذه المدينة المغدورة وإلى الحي الذي تقطن فيه هذه الأسرة.. بدأت الأسر بالنزوح.. وتلقّت الزوجة المسكينة اتصالا من زوجها يأمرها فيه بالنزوح فورا ودون تأخير مع وحيدهما برفقة أسرة أخيها إلى مدينة التربة..


وأنتَ؟ سألته متلهّفة.. فأجاب بلهجة واثقة: سأذهب إلى البنك لآخذ المبلغ الذي ادّخرته هناك، وألحق بكم فورا..


لم تقلق الزوجة عليه، فقد أصبحت التلفونات المحمولة دليل التائهين، وبضغطة زر ستتصل به وتطمئن على أحواله متى أرادت ذلك.. هكذا حدّثت المسكينة نفسها..


وخرجت الأسرة من بيتها مفزوعة مروَّعة.. وتلقّفتها حافلات شتى حتى وصلت إلى مدينة التربة.. وفي الطريق اتصلت الزوجة بزوجها تطمئن عليه.. أفادها في الاتصال الأول بأنه وصل البنك.. وفي الاتصال الثاني بأنه استلم النقود.. وفي الاتصال الثالث كان هاتفه مغلقا.. انقبض قلبها  لذلك.. وسرت في جسمها قشعريرة غريبة.. لكنّ من ذويها من أقنعها بأنه ربما انتهت طاقة البطارية الخاصة بتلفون زوجها.. وأنّ المسألة مسألة وقت فقط وسيتّصل هو ليطمّن الجميع..


لكنَّ الهاتف ظل مغلقا.. ومر يوم.. يومان.. ثلاثة أيام.. أسبوع.. شهر.. والهاتف مغلق.. وماهر وأمه يعيشان اللهفة والهلع بكل تفاصيلهما.. ويسألان كل قادم من هناك.. ومما زاد من قلقهما أن الأخبار تأتي تباعا بشكل متضارب.. فقد أفاد بعض القادمين بأن الزوج أصيب بطلق ناري في رجله وأنه يعيش في أحد المستشفيات بعد أن أضاع هاتفه، وأفاد البعض الآخر بأنه ضمن المخطوفين الذين خطفهم المجرمون دون جريرة إلا أنهم من أبناء هذه المدينة.. وأفاد آخرون بأنه قُتل ضمن ركاب حافلة انفجر بها لغم وهو في طريقه إلى أسرته.. 


إنها مأساة مركّبة.. يتجاذبها حزنان ولهفة حزن الفقد، وحزن المصير، ولهفة الوقوف على حقيقة مآله.. ومع إمكانية الذهاب إلى مدينة تعز كلّفت الزوجة المسكينة أخاها، فذهبا معا غبر مرّة وتحسسا منه.. فلم يقفا له على أثر..


ماهر الآن يعيش يتماً متجددا.. وكلما أوشك أن يقتنع بموت أبيه جاءت بعض الأخبار والتخرصات ورجّحت بأنه حي.. ليعود إلى ذات الدوامة.. دوامة البحث عن الميّت الحي أو الحيِّ الميت.. لا فرق..


ومع إشراقة كل صبح يذهب ماهر مستبشرا إلى مدخل المدينة متفحصا في وجوه كل القادمين.. فلعله يجد أباه بينهم فيكون أول مستقبليه.. حتى إذا ما أرهقه البحث والتعب عاد مكسور الجناح، وكأن يتمه نزل به الساعة.. 


يالله ما أقسى اليتم.. إنه خنجر يغوص في الخاصرة.. وانكسار ملازم يفقد كل أشياء الحياة طعمها ولونها، ويجعلها أشبه ما تكون باحتضار مؤلم يقف بصاحبه في برزخ معتم.. فلا هو حي مع الأحياء فيهشُّ ويبشُّ للحياة مثلهم، ولا هو في عداد الموتى فيستريح..


يالله ما أقسى اليتم.. وأقسى منه أولئك الذين نذروا أنفسهم في صناعة الموت الذي يثمر يتما هنا وثكلا هناك، ويحيل الوطن إلى خيمة عزاء موحشة.. لا تسمع فيها غير أنات الندب، وأنين المقهورين..

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى