لن نموت ناقصي أحلام

لن نموت ناقصي أحلام

في أخر ساعات الملل يتسلل الهم إلى أعلى الدماغ ينفث بعض سمومه ويرحل تاركا الضحية بين يدي هم أليم، من منا لا يتسلل الملل من مجريات الحياة إليه، هذا لأننا مجرد بشر، وصفاتنا بمجملها لا تستطيع تجاوز كل هذه الضغوط، نبدي التفاؤل ما استطعنا، عني فقد أبديت التفاؤل منذ أول يوم عرفت فيه أني مواطن، وأن أمامي شعب يبحث عن ذاته، في العام 2011 أعلنت النفير العام، وإن لم تخني الذاكرة كان العام 2010 هو عام إعلان التفاؤل العام، كنت قبلها قد أُصبت بنوبة إحباط ويأس قد بلغ مع نهاية العام 2008 مداه، لا أحد يحترم  في هذه البلاد حرية الصحافة، ويتم التلاعب بالمواد المحررة، "أنت مجرد موظف ما عليك الإدارة أدرى منك بمصالح البلد"،  اشيح بوجهي عن الجميع وارقب النجوم في ليل صنعاء الكئيب وأقول : "أبوكم على أبو البلد يا عيال 77 ، شحول بكم الله وأنا أربي ابتكم"، هذا السخط أيضا لم يخرجني إلى طريق، عرفت الطريق فقط مع هتافات ارحل التي بدأت في تونس، وانتقلت إلى كل ارجاء الذاكرة، أمتلأ الضمير بأنا والشعب والحرية والدولة، وسألت نفسي أين كنت مغيبا يا "بويمن"؟ لم أجد الإجابة المقنعة، ولجأت إلى لعنة اليمنيين الدائمة: “شعوري شعور أي مواطن يمني" فهل كنت مواطنا حقا؟

 

هذه البلاد غير صالحة للسكن، عبارة قلتها مرارا وكررتها سرا واخفيتها عن نفسي كثيرا، حتى لا أبوح بها للناس، وفي لحظة إقلاع الطائرة من فوق مرحاض الروضة النجسة في صنعاء التفتُ  إلى الخلف وقلت "باي باي يا حكومة"، وشعرت بغصة في حلقي تمنيت أمنية، ولا مصباح علاء الدين لديَّ، كانت أمنية في فراغ ايرباص310 تقريبا،  كل ما أريده  هو أن أعود وهذه البلاد على ما هي عليه، كان العم اللطيف والصحفي المثقف فؤاد عبد القادر قد جلدني مرارا وتكرار بعبارات : "سافر يا فيصل سافر"، وهذه البلاد لن تتغير، ورمى بباكيت سيجارة بجوار عمود الحكمة يمانية الشهير أمام بوابة  جامعة صنعاء والتفت نحوي قائلا: "ستعود من سفرك وستجد هذا الباكيت مرميا هنا في مكانة"، كنت أصدقه وأصدق كلما صنعته  مظاهرات  2005  من صورة ذهنية في عقلي الباطن، وكذلك ما فعلته الحروب الخمس في صعدة وحرف سفيان، التي كنت شاهدا عليها عن بعد، فقد أثرت في نفسي كثيرا، حرب تبدأ بتلفون وتنتهي بتلفون، وفي إحداهن تم الزج بي للحديث مع نجل ابن الهالك الصريع حسين الحوثي ليعترف بفضل الرئيس صالح على أسرته المكونة من 15 فردا من الأطفال والنساء وهو، حزنت كثيرا لأن الحديث الصحفي تم التلاعب به لمصلحة القصر، والحقيقة لم تكن كما هي، لم أكن قد فهمت بعد أن أولاد الشغالة كلهم زي بعض، الحوثي وصالح وذراريهم كلهم يتشكلون من نفس الطينة، الدم غير مهم والحياة ليست ذات شأن، المهم هي المصالح وحسابات الربح والخسارة.

 

ما شأني أنا الموظف القادم من بغداد أحمل مؤهلا عاليا واستحي أن أقول أني صحفي لأني لم  أمارس المهنة من قبل، لم أكن أعرف أيضا أن الصحافة مهنة العديد المرتزقة من كل صنف، ومهنة من لا مهنة له ومكسب من لا مؤهل علمي لديه، قالت لي إحداهن في المؤسسة هل تعلم يا أستاذ أنهم وظفوا فلانة قبلك وهي لا تحمل شهادة إعدادية؟ قلت ربي رزقها، قالت لا لا بل مؤهلاتها هي من سرعت بتوظيفها، وابتسمت من خلف لثامها وشاهدت الخبث في عينياها اللئيمتين، إنها غيرة النساء من زميلاتهن في العمل. وعندما سألني زميل يحمل نفس مؤهلات البنية إياها وكان واصلا عند أرباب القبيلة، ما هو مؤهلك فأخبرته، ضحك كثيرا وقال الصحافة لا تحاج إلى ماجستير إنها تحتاج إلى فهلوة، وقيل مؤخرا أنه حصل على درجة وزير، اللهم لا حسد. 

 

رأيت في المؤتمرات والفعاليات الصحفية الكثير من الأوغاد ذوي السحنات المختلفة، والتي صارت مألوفة عندي فيما بعد، وهم يتجولون من فعالية لأخرى بغرض الحصول على بدل مواصلات، وكانت أول بدل مواصلات قبضتها تشكل كارثة عندي، كيف بك يا صاحب القرية البيضاء ترتشي من أول يوم؟ اللعنة على حقين البقري حقكم، وعلى تمر بغداد، وكباب البدوي، وزنود الست التي حليت بها أيامك على ضفاف الأعظمية عند الحمداني، مرتش حتة واحدة يا جني، اتصلت لزميل أثق فيه، وفي التزامه وأخلاقه وأخبرته عن تلك الجريمة التي ارتكبتها، حصلت على بضع مئات بدل مواصلات، سألت مصطفى هل هذه رشوة يا بيه؟ ضحك وقال لا هذه قانونية تسجل في ميزانية الجهات تحت بند بدل مواصلات، قلت له متأكد؟ قال: نعم. ومن يومها قلت جاءكم الموت يا قطاع الصلاة، وبسم اللهم رشوة.

 

الحياة لم تكن عادلة، وموازين الله غير واضحة في صنعاء المتخمة بمدراء عموم يمتلك أقل واحد منهم 5 أرقام لهواتف محمولة لصديقات طيبات يقبلن عند الحاجة، كنت أشك أن السماء ستقع حتما على مدينة يتبول فيها الناس خلف إطارات السيارات، لم تقع السماء وكدت مرات أن أقع من على ظهر الحمار الذي كنت امتطيه في شوارعها، كان حمارا قرويا يتحدث دوما بلغة الأمر "امشي يا صبي بجوار الحيط وخليك منهم، شوف لك عمل أخر بجوار هذه المهنة التي لا معنى لها"، وكلما وجدت عملا جديدا تنهال المواد الصحفية من تحت كل حجر مررت جوارها، حققت نسبة عالية  من النشر، كان زميلي عبد الواحد يضحك في وجهي ويقول لي "ايوه أنت تشتي لك طاقم تحرير يراجع بعدك وينشر لك صحيفة وحدك"، لا معنى للإسهال في المواد الا قومة الفجر و"التقزاف" حتى منتصف الساق في مدينة عابثة ينام أهلها إلى التاسعة.

 

اللعنة يا صنعاء، لكن يبدو أنك مدينة نائمة على معابد أقوام لم نسمع عنهم شيئا، فيك قداسة ونجاسة عجيبة، لا مصل فيك إلا وهو طالب مغفرة، وكل شيء في بابه، وهذا الخليط العجيب من الخير والشر لم يقتصر على جانب دون أخر، كانت المصطلحات السوقية تنهال أيضا بلا توقف، دعاني صديقي وهو يمسك تلفونه وقال لي شفت "دبيخ بلدي"؟  كنت أظنه سيريني أمه العجوز تطبخ مطيط أو قمرح أو حتى مقزوح مثل الذي تطبخه النساء في القرية، ويلكن البصل أحيانا بأفواههن "ما بينهنش طافة" يقطعنه بالسكين، وكذلك يفعلن بالهيل والزر تبع الشاهي، أقتربت ونظرت في الموبايل! اللعنة عليك يا حقير، تبين لي أن الدبيخ له معنيان كل منهما في وادي، دبيخ في الديمة، ودبيخ على الفراش.

 

الملل ليس نابعا من الحياة الطبيعية، بل من ضغوط الحياة اليومية، لا يمنعه إلا الاسهاب في القراءة وبناء الذات، أو حتى إعادة ترميمها.. كان العم فؤاد عبد القادر مصرا على أن من يغادر البلاد هو من سينجح في حياته، وكان دوما يضرب لي المثل بالبروفيسور مصطفى العبسي، الذي غادر الصحيفة واتجه إلى بلاد العم سام وصار له شأن، "الحقه يا فيصل الحقه"، كنت مؤمنا بأن من لم ينجح في بلده لن ينجح في سواها، الكسل الذهني موجود لا أنكره حتى تلك اللحظة،  لكن النجاح ليس صدفة ولا أومن بحسن الطالع والحظ، بل بالسعي الحثيث، والسفر سعي والسعي يشتي حليب والحليب من البقر والبقر يشتي حشيش والحشيش يشتي مطر والمطر من ربنا، وربنا هو القادر على التسهيل بالخروج من هذا المأزق والسفر نحو المجهول، فكان السفر.

 

مع كل مملل يأتي عبر هذه الرطوبة اللعينة والصيف المكفهر أعود لأقلب دفتر الذكريات، أشعر بالاختناق كثيرا، لقد ذهبت وذهب الوطن لا مفر لا عودة، ما هذا بحق الجحيم؟  لا شوق يجمعنا ولا ثمة بصيص أمل، يا كثرة الخيبات، يا لها من حرب رائعة مثل كل مباريات التعادل السخيفة انتصر يا ابن ديك الجن انتصر، فوالله ثم والله لولا من يقفون نيابة عنا خلف المتارس لانهارت أخر الأحلام، لكنهم وحدهم من يحملون الوطن على أعناقهم ويعيدونني بشرا راشدا، لا وجوه الساسة ولا أصوات ناطقي الحكومات، لكنها أصوات الحق التي تخرج عبر فوهة بندقية صعلوك لا يجد قوت يومه ويموت لتحيا اليمن، له ولرفاقه العهد بأن لا نموت ناقصي أحلام، ولن يسرق منا هذا الوطن ثانية.

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية - أمانة العاصمة

شارع الستين الغربي

الفاكس : 01446785

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى