الضمير الأعور.. وكبرياء الحقيقة

الضمير الأعور.. وكبرياء الحقيقة

المثقف الحق هو العين الباصرة لمجتمعه، يدفعه إحساسه بالمسئولية تجاه الحياة والناس من حوله إلى متابعة كل المستجدات المؤثرة في محيطه، ويمكّنُه تأمله الواعي من تقدير الأمور والأحداث حق التقدير.

وتتمثل الخطوة الثالثة المفترضة في نقل قناعة المثقف مما يدور حوله إلى الناس وتبصيرهم بحقائق الأمور وملابساتها، بل ودفعهم عبر أساليب الإقناع المنطقي والتأثير الموضوعي إلى تبني مواقف إيجابية فاعلة، تسهم إلى حد كبير في تحقيق التوازن المجتمعي، وبهذا يكون المثقف الحق قد قام بواجبه وأدى رسالته بما يتوافق مع ضميره الواعي وقناعاته المدركة، فيكتسب بذلك مكانة مرموقة في وجدان الناس وقلوبهم، تظل تتنامى كلما تتابعت الأحداث وتوالت المواقف. 

 وربما اكتفى هذا المثقف بالخطوتين المذكورتين: متابعة المستجدات وتقديرها، وتوقف عندهما، وهو بذلك في منزلة المثقف الضعيف الذي يمنعه ضعفه من الانتقال إلى الخطوة الثالثة المتمّمة، وربما كان هذا الضعف مبررا لدى المثقف نفسه على الأقل لدافع من خوف ونحوه. غير أن الداهية الدهياء حين يستبدل المثقف بالخطوة الثالثة المتمّمة خطوة أخرى تخالف قناعاته وتقديره لحقائق الأحداث، فيتحول إلى غشاش يمتهن التدليس والخداع والتبرير الكاذب، وبذلك يصير أداة مهينة تعمل ضد الوعي وضد المجتمع وضد الحقيقة التي هي جوهر الثقافة وماهيتها والغاية المثلى لكل الأديان والفلسفات ومفاعيل الفكر الإنساني، وبذلك يصبح المثقف حالة موات آسنة.

وقريبا من هذه الخطوة مواقف كثير من المثقفين الذين يتابعون ما يجري في محيطهم، ثم يقدرون الأمور بوعي مسئول، حتى إذا ما وصلوا إلى الخطوة الثالثة قصرت بهم هممهم عن أن يكونوا أهلا لهذه الخطوة، فتراهم يتناولون الأحداث تناولا انتقائيا أعور، يتحدثون بنصف الحقيقة ويغضون عن نصفها الآخر إغضاء مقيتا، فهم صادقون فيما قالوا وكاذبون فيما صمتوا عنه، منصفون فيما تناولوه، ومشاركون بسكوتهم في جريرة ما سكتوا عنه، ذلك أن الساكت عن الحق إن لم يكن شيطانا أخرس فهو مثقف أعور الضمير أما أن يسعى في إصلاح ما تلف من ضميره، وإما أن تنطفئ شعلة الحياة فيه، فيصبح وجوده عندئذ ظلماتٍ بعضها فوقَ بعض، ذلك أن الحقيقة ترضى بأن يحظى بشرف حملها أشعث أغبر أيّاً كان، لكنّ كبرياءها تمنعها من أن تنظر من البعيد البعيد إلى كل ذي ضمير أعور.. وما أكثرهم!!

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى