كلفة المواقف

كلفة المواقف

      لولا المشقة ساد الناسُ كلهمُ      الجود يفقر و الإقدام قتّال

 

   المواقف الاستعراضية كبيرة الدّوي، نادرة الحضور، كثيرة الثرثرة، قليلة الفعل، تتطلع بشره هلوع لتسجيل المواقف من وراء وراء، و تتحامى عن دفع الثمن فتلجأ لرفع الصوت رغم غياب العمل، أو قل تغطي غيابها بالضوضاء و الضجيج و ذلك عن طريق العنتريات التي ما قتلت ذبابة على حد تعبير الشاعر نزار قباني، أو لعل هذا النوع من البشر هم من عناهم الشاعر الكبير عبدالله البردوني في قصيدة شهيرة :

 

     و قاتلت دوننا الأبواق صامدة     أما الرجال فولوا ثمّ او هربوا

 

   يحتاج الثبات إلى نفس طويل، و استمرار لا ينقطع ؛ تمده للثبات مبادئ راسخة تؤهل صاحبها لدفع الثمن الباهظ دون حسابات و لا ربطها بمواقف آخرين ( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) بل يجدّ لنصرة مبادئه في أكثر من ميدان ؛ مرة في ميدان مواجهة الخصم و قوى الاستكبار، و مرة لتحاشي النيران الصديقة التي إن سلِمت من لهبها، لا تسلم من شواظ إعلامها، و هناك مرة ثالثة عندما تتسبّب  النيران الصديقة  في تضليل بعض الأصدقاء الحقيقيين بما تضخه تلك النيران من إعلام يسمّم الأجواء  هدفه التشويه و التضليل لتغطية عجزه؛ و لتحقيق مكاسب ثانوية، أو نتيجة اندفاع أحمق مسكونا بمنافسة ترسخت في عقله الباطن فراحت تتحرك في كل حين و في أي مكان دون أدنى قراءة للواقع الذي يحفز كل رجل سويّ متزن على أن يكون له دور يكافئ بل يزيد عن حركة الخصم؛ باعتبار أن الجميع أمام مشروع كهنوتي يريد ان يلتهمهم جميعا مستهدفا الوطن حاضرا و مستقبلا، و نظامه الجمهوري أيضا. غير أن عنتريو الأقوال ميدانهم ليس هنا، بل هناك عند مصارعة طواحين الهواء، و اختلاق معركة داخل البيت متكئين على تحمّل و صبر الأب أو الأخ أو القريب، الذين يدركون أنهم سيغضون الطرف عنهم موقنين بعدم انصرافهم عن المعركة الكبرى و مناصرة الهدف الأسمى.

   إن أولويات الكبار وترتيبها و العمل على تحقيقها تقي مصارع السوء، كما تمنع مآلات الفشل و الدمار، و إن حسابات الصغار إنما تتقزم بمنافع هائمة و مشاريع ذاتية أو انتقامية خائبة.

   حسابات الصغار لا تنطلق نحو الخصم المتربص، أو العدو الغادر،  بل يذهب الغباء بهؤلاء الصغار حدّ ظنهم أن بمقدورهم الاستفادة من عدو الجميع بتوظيف قدرا من تربصه بإخوتهم، و شيئا من غدره بأقاربهم لإفادة حساباتهم الصغيرة ، و يعتقدون مع هذه الخيبة أنهم يحسنون صنعا !

   الأولويات الكبيرة لا ينبغي أن تكون محل نزاع أو خلاف، كما لا ينبغي لأي مكون أو جهة أن تستثمر سياسيا، متسولة ذلك الاستثمار بتناولات إعلامية تضليلية على حساب الوطن و المواطن و من خلال مواقف إستعراضية.

   إن أي طاقة تبذل لا تخدم الهدف الأسمى و هو استعادة الدولة ، وهزيمة المشروع الظلامي للكهنوت، و من ثم التمكين للتحول الديمقراطي فإنما هي طاقات مهدرة، و تحرك في المكان الخطأ، و نشاط يخدم الكهنوت من حيث يدرك هؤلاء أو لايدركون.

   المواقف فعل مستمر، لها كلفتها و أثمانها الباهظة ، و هذه الأثمان و المواقف يقوم بها أهل التضحية و الفداء ممن لا يقدّمون على الهدف الاستراتيجي المصالح الأنانية، أو المنافع الضيقة ؛ و لهذا تخلوا صفحات الصغار من أية مواقف إيجابية، فالجود يترجم عمليا :

 

     جود الرجال من الأيدي و جودهمُ    من اللسان فلا كانوا و لا الجود

 

   و الفداء يترجم ميدانيا :

 

    إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني     عنيت فلم أكسل و لم أتبلد

 

   و ليس ذلك الذي يتلفت يسرة و يمنة، فيتحسس رقبته :

 

     و لو أنني في السوق أبتاع غيرها    و جدّك ما باليت أن أتقدما

 

   و يبقى التهريج الإعلامي للصغار مجرد دخان يسمم الأجواء، و يكشف من وراءه و لا يفيدهم، و ليتهم يمتلكون الإرادة ليتجاوز هذا النوع من البشر عبث الصغار و حماقاتهم، ثم يصفون مع الأوفياء.

 

  

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى