الميديا والتسمم اللغوي

الميديا والتسمم اللغوي

تكاثرت وسائط الميديا بشكل لافت في السنوات الأخيرة؛ وما يزال في جعبة الشبكة العنكبوتية الكثير مما ستفاجئنا به في قادم الأيام؛ والجميل في هذه الوسائط أنها حشدت الجميع في ميادينها وخاصة في منصات التواصل الاجتماعي، حيث أعادت هذه المنصات الكثير من الناس إلى أحضان اللغة والتعامل مع النص مقروءا ومكتوبا على مدار الساعة، بعد أن عزف كثير من الناس عن اللغة قراءة وكتابة، وابتعدوا عنها لفترات طويلة ربما تمتد لعشرات السنوات، خاصة وأن المرحلة التي سبقت ظهور وسائط التواصل المكتوبة كانت مرحلة صوتية محضة.

ولقد أتاحت أجهزة الهاتف الذكية فرصة الاقتراب أكثر من النص اللغوي، حيث تمثل لوحة المفاتيح فيها متاحا مهما يكاد يكون الأكثر استخداما من بين متاحات هذه الأجهزة الأخرى، وقد أثبتت دراسات علمية أن الرسائل المكتوبة المتبادلة تستأثر بالحيز الأكبر من الزمن الذي نستغرقه في تعاملنا مع هذه الأجهزة الذكية، وخاصة في البيئات المستقرة التي تتوفر فيها خدمة الأنترنت بشكل سلس وفعال.

وتبعا لذلك فقد كان من المفترض أن تتطور القدرات الكتابية لدى جمهور هذه الوسائط، بما يحفظ للغة هيبتها ولو في حدها الأدنى، وخاصة بين شريحة الكتاب والمثقفين الذين عاشوا مع النص اللغوي في أطواره المتتالية، حيث يفترض بهذه الشريحة التي تمتلك قدرا لا بأس به من الإجادة اللغوية والتجويد الأسلوبي أن تحدث تأثيرا في شرائح العامة والبسطاء من خلال الاحتكاك اللغوي الذي يتم على مدار الساعة، غير أن هذا التأثير لم يحدث، بل والأمر والأدهى من ذلك أن التأثير العكسي هو الذي يحدث اليوم وبشكل مخيف، وإلا فما معنى أن يقوم صحفي كبير باستبدال التاء المربوطة بالهاء والعكس في مقالاته التي لها جمهور طويل عريض من المتابعين والمعجبين.

وقد انتشرت في الآونة الأخيرة تراكيب لغوي غريبة تعج بها صفحات كثير من المثقفين مثل تجريد ياء النداء من حرف الألف فيكتبون (ي رب) بدلا من (يارب) ومثل تجريد حرف الجر في من يائه؛ فيكتبون (ف الطريق) بدلا من (في الطريق) كما يكتبون (ع الوعد) بدلا من على الوعد، وهكذا تذبح اللغة على يد مثقفين يفترض بهم الوقوف في وجه ظاهرة تشويه اللغة لا أن يكونوا من أدوات هذا التشويه.

والمشكلة أن هذا التسمم اللغوي لا ينحصر ضرره على الكاتب فقط، ولكنه يتعدى إلى القارئ أيضا، ولنا في هذا السياق أن نتساءل عن سر تعايشنا مع هذه الأخطاء، وتقبلنا لها، والتسليم لها، وضعف الوازع اللغوي في إنكارها، والتشنيع عليها، فأصبح الواحد منها على سبيل المثال يتلقى رسالة من صديق ما لا يخلو سطر من سطورها من عاهة إملائية ومع ذلك لا تهتز له شعرة.

إنني هنا لا أطالب مثقفينا في تعاملهم اللغوي مع هذه الوسائط أن يحفظوا كتاب سيبويه ولا خصائص ابن جني ولا ألفية ابن مالك ولا بلاغيات الجرجاني ولكني أطالبهم فقط بأن يكون لديهم اعتبار للغة ولو في حده الأدنى، وأن يعيدوا قراءة منشوراتهم قبل النشر قراءة ثانية لتنقيتها من كل الثآليل والبثور التي تشوه منشوراتهم من جهة وتشوه لغة الجمال من جهة أخرى... قراءة ثانية فقط.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى