صفا كالبنيان المرصرص

صفا كالبنيان المرصرص

 

   عندما يبلغ التشفي حد الإضرار بالنفس أو الوطن فتلك مصيبة و كارثة بكل المقاييس، و قد كان مثل هذا التفكير الأبله محصورا في القادة الدكتاتوريين الذين يلجأون إلى التشفي بالشعب و الوطن - كلما هددتهم ثورة شعبية أو انتفاضة جماهيرية - على قاعدة : عليّ و على أعدائي ! و نحن في اليمن عشنا و شفنا كما يقول المثل .

   هذا الداء الوبيل وصل- للأسف - إلى ( بعض) النخب في (بعض) المكونات السياسية، وباتت تلجأ إليه عند كل محطة تصفية لحساباتها مع الآخر.    فصار عندها التشفي بالشريك أو القريب في موقف ما هو المطلوب، و لو على حساب المبدأ الوطني العام الذي يفترض أنه يضم الجميع و يهمهم.

   هذه الضحالة في الأداء السياسي؛ هي عبارة عن ثقافة سياسية مأزومة و مريضة، و لم يكن لها حضور - بهذه المساحة - في الماضي. ( و هذه السطور لا تعمم و لكن تقصد شللا أينما وجدت).

    و عندما أقول لم تكن بهذا الحضور من قبل، فإن الجمهوريين أيام حصار السبعين يقدمون لنا مثلا في قمة الروعة؛ ذلك  أنه لما تقدم الملكيون إلى حد حصار صنعاء - المعروف بحصار السبعين - كان  الصف الجمهوري منقسما إلى حد المواجهات المسلحة، فما هو إلا أن جاء الملكيون، حتى هَبّ الجمهوريون هبة رجل واحد لمواجهة فلول الإمامة و من خندق واحد، و غاب عن صف الجمهوريين تماما وباء التشفي و النكاية، و داء تصفية الحسابات. مثل هذا الموقف الفذ غاب عند البعض في ما تعرضت له البلاد من أحداث، و مايزال غائبا عند البعض الآخر، ممن لا يرى أبعد من حدود حارته أو قريته، ناهيكم عن المنتقمين الذين سلموا للكهنوت الحوثي كل شيئ !

  الأصل أن المبدأ يظل بعيدا عن الحالات المرضية من التشفي أو فرصة تصفية الحسابات، فالمبدأ لا تفريط فيه، و الحق أحق أن يتبع؛ و يبقى موقف الجمهوريين حين تناسوا خلافاتهم و وقفوا صفا واحدا لمواجهة الملكيين حتى تم لهم فك حصار صنعاء؛ يبقى موقفا مميزا و متميزا مدى التاريخ، كما يبقى موقف قدوة لكل وطني بحق.

 

    فالانتصار للمبدأ لا يُكايد به، و لا يُجامل على حسابه، فالجمهوريون لم يتشفون ببعضهم، و يخبرنا التاريخ أن ابن القيم لم يجامل شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة من المسائل، فلما قيل له و لكن شيخ الإسلام يقول فيها كذا و كذا، رد عليهم ابن القيم قائلا: شيخ الإسلام حبيب إلينا و لكن الحق أحب إلينا منه !

  ليست المواقف اتباعا أعمى،  و لكن بصيرة و موقف، و لو خالف الشيخ أو القائد أو الحزب أو التنظيم، فالمسألة مسألة مبدأ.

   بل لقد سجل لنا التاريخ مواقف خصوم و أعداء لم يدفعهم التشفي للكذب نكاية بخصومهم، فعندما أحضر هرقل - قيصر الروم - أبا سفيان إلى مجلسه و هو في الشام؛ ليسأله عن الرسول صلى الله عليه وسلم - و أبو سفيان يومها لما يسلم بعد - أجاب إجابات منصفة في حق الرسول في أنه لا يكذب و لاينقض عهدا ... و هو يومئذ في عداء مع الرسول الكريم.

   و مثله أن رجلا جاء إلى معاوية رضي الله عنه فراح ليصف أمير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه بالجبن و البخل، فأسكته معاوية قائلا له كذبت؛ فأما الجبن فلقد والله جلّى عن الرسول كربا بسيفه و شجاعة بأسه، و أما قولك أنه بخيل؛ فوالله لو أن له دار من تبر ( ذهب) و دار من تبن لأنفق تبره قبل تبنه !

   حين يختلف الرجال فإنهم لا يتخلون عن المبادئ نكاية أو تشفيا، و لا يتنكرون لصفات و مواقف الرجال، و لا يكيدون بالكذب و الافتراء و الدسائس، لكن البؤس أن يصل الحال بالبعض أو بأي أحد، فيتخذ موقفا يناكف به على حساب المبدأ أو التنكر لأصحاب المواقف  :

 

     و من هاب الرجال تهيبوه      و من حقر الرجال فلن يهابا

 

   نحن اليوم بأشد الحاجة لأن نعيد هَبّة الصف الجمهوري المتآزر إبّان حصار السبعين، و لسنا بحاجة إلى نبش مصطلحات الفرقة و التمزق باستدعاء الطائفية و الجهوية و المناطقية النتنة.

   يثير فيك مشاعر الرثاء و الشفقة كاتب أو صحفي حزبي، أو تصريح لقائد سياسي؛ يوم أن يخوض أو يغرق في مستنقعات جهوية أو قروية، فيردد مصطلحات مناطقية تمزيقية !

   فمن هذا السياسي الحزبي الذي يريد أن يتقوقع بحزبه في:حي الصافية من صنعاء مثلا، أو سوق الهنود من الحديدة، أو القلوعة من عدن أو حي عصيفرة من تعز ، أو.. أو .. الخ. المحافظات.

   إن العمل الحزبي عمل مدني، يمتد على كامل تربة الوطن، و التناكف بالقروية و المناطقية و الطائفية تخلف بائس، و جهل حالك، و تقوقع مدمر.

   إنها استجابة كارثية حمقاء لذلك الاستهداف المبيّت الرامي لتمزيق كل قطر عربي فيما أصبح يعرف بتقسيم المقسم و تجزئة المجزأ.

 

    لا كنتُ ولا كان الحزب الذي أنتمي إليه إذا كان سيرفع عقيرته بمناطقية أو قروية أو طائفية، و الفخر كل الفخر لعمل حزبي سياسي يمتد من أقصى اليمن إلى أقصاه، خاليا من مرض الجهوية، و بريئا من وباء الطائفية، و نقيا من السلالية.

   إن الظروف التي نعيشها تفرض علينا اصطفافا يعي و يدرك مدى التحدي الذي تواجهه اليمن، و الذي يوجب على الجميع المضي بإرادة واحدة موحدة في تبني مبدأ الدفاع عن الثورة و الجمهورية، و إسقاط المشروع الظلامي للكهنوت الذي يريد باليمن أن يعيدها إلى مجاهل التاريخ، و إلى ما قبل ثورة سبتمبر 1962م.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى