شيطنة الوعي ​

شيطنة الوعي ​

يمثُّل الوعيُ في حدّه الأدنى نقطةَ تماس الإنسانية بالحقيقة في وجهٍ من أوجهها المتنوعة، ومن هنا اهتمّتْ كل الأديان السماوية والقوانين الحضارية التي تحترم الإنسان بالوعي، وسعت في سبيل الوصول إليه إلى بذل الجهود، ورصد الإمكانيات، ووضع الخطط المدروسة، وإيجاد المرافق التي تعمل على صناعته صناعة متقنة، إيماناً منها بأنَّ وعي الإنسان بذاته أولا وبالحياة من حوله هو دينامو الفاعلية فيه، وهو إلى ذلك المحدّد لوجهة سيره في الحياة تشاركًا مع غيره من أبناء جنسه في صناعة حياةٍ مطمئنة، تستنير بالعقل في سنَّ قوانينها، وفي حلِّ مشاكلها، وفي تحديد العلاقات بين مكوّنات المجتمع المختلفة، وقد أسفرت هذه المسيرة عن ظهور مجتمعات بشرية مثّلت صورة مثالية للإنسانية في تجلّيها المشرق، مما انعكس على واقع الحياة فيها رغدا وهناء، وفاعلية من جهة، وتماهيا بين مؤسسات الحكم وبين عامة الناس من جهة أخرى في ظل ما يمليه منطق الحقوق والواجبات لكل هذه الأطراف وفق طبيعة كل طرف وما يناط به من فعل.


والمتأمل في مسيرة الأمة يدرك ذلك الارتباط القوي بين الوعي وبين شهودها الحضاري في القرون المتعاقبة، فثمة علاقة بيانية بينهما، كلما ارتفع منسوب الأول ارتفع حضور الثاني، وكلما انتكس الوعي تخلّفت الأمة، وارتدّت إلى دوائر التهميش وغياب الفاعلية.

كما أن المتأمل في حركة الصراع التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية ليدرك أيضاً أن حقيقة هذا الصراع وجوهره إنما يتجسّد في سعي قوى الأمة الحيّة في الأمة إلى إعادة إحياء الوعي، والإعلاء من شأنه في بلورة واقع جديد، يرفع عن الأمة أثقال الهوان والتبعية، بينما يسعى المتربّصون بالأمة إلى الإمعان في تغييب الوعي عنها، وتحويلها إلى كائن هلامي، دون وجود حقيقي، ولا هوية معتبرة، وتحويل أبنائها إلى مكناتٍ متشابهة تهيمن عليها الغرائز البيولوجية بعيدا عن أشواق الروح، وبعيدا عن جوهر الحياة الحقيقية في دائرة الوعي، والمتفحّص في مجمل أنشطة المتربّصين بالأمة في مواقعهم المختلفة يدرك أنها كلّها دون استثناء تستهدف وعي الأمة تغييبا ووأدا وإبعادا.

وقد اتّبعت هذه القوى في معركتها مع الوعي ثلاث خطوات متسلسلة، يفضي السابق منها إلى اللاحق، وجيّشت لكل خطوة من هذه الخطوات الثلاث ما يناسبها من إمكانات مادية وبشرية وإعلامية، وبإشرافٍ مباشرٍ من مؤسساتٍ مختلفة تتكامل فيما بينها لتحقيق هذه الغاية.

وقد تمثّلت الخطوة الأولى في هذا الصراع في شيطنة كلَّ القوى المرتبطة بعملية إحياء الوعي وتجديده، وتصويرها لعموم الناس وخاصتهم على أنها قوى معادية إقصائية، لا تؤمن بالحوار، ولا تقبل بالآخر، وتسعى للانفراد بالسلطة، وتسميم الحياة بكل متاحاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وتمثّلت الخطوة الثانية بإلحاح إعلامي كثيف عمل من خلال التلاعب بالعقول والأفكار إلى لصق كل قيم الوعي بتلك القوى التي تمّت شيطنتُها، وتصويرها على أنها مبادئ زائفة وكاذبة، تستغلها تلك القوى في تحقيق مآرب أخرى، فالعمل الخيري وفق هذا المنظور هو استغلال من هذه القوى لحاجات الناس وكسب ولائهم، والنضال السلمي تآمر على الديمقراطية، والإيمان بالتبادل السلمي للسلطة عمالة مقيتة، وهكذا استطاع المتربصون بالوعي تفريغ هذه القيم الجميلة من محتواها ليصلوا إلى المرحلة الثالثة من مراحل إدارتهم لهذا الصراع ألا وهي مرحلة النيل من كل قيم الوعي صراحة ودون مواربة، وبذلك أفرزوا واقعا جديدا يقوم على تكريس التجهيل وتبديل الحقائق لتصل غربة الأمة إلى أقصى مداها.

غير أنَّ المعركة لم تنتهٍ بعد، فالأمم الحيّة قد تنام ولكنّها لا تموت، وما يزال ثمّة متّسع لإعادة العقل، والتصالح مع الوعي، فالفطرة وهي آخر حصون الإنسانية شعلة لن تنطفئ، وبإمكان الاحتكام إليها أن يعيد كل القيم الجميلة إلى ساحة الحياة، وبتكاتف الجهود وتكاثفها من كل الخيرين من أبناء الإنسانية يمكن للغد أن يكون أجمل وقعا وأكثر وعيا.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى