دراكولا في عدن

دراكولا في عدن

"هذا المُـجتمع قاتلٌ للعفويَّة التّلقائية والسلاسة والبسَاطة وعاشقٌ لِلعقد والنّفاق والتصنّع بامتيَـاز".. دوستويفسكي

 

كان الصيف على أشده في القرية، لا يقي من شموسه الحارة سوى الظل تحت أشجار "العلب" المنتشرة في الوديان، كانت الحصة السادسة كئيبة ومملة لا أحد منتبه للأستاذ عبده وهو يشرح لنفسه الدرس الأخير، الأقلام الدفاتر والكتب داخل الحقائب لا أحد من الطلاب مستعد لهذا الدرس الذي لم تتضح معالمه أنه في العربي أو في الإنجليزي، دق باب الفصل ونوديت بالخروج، كان المدير يتكلم عن رحلة نوعية إلى عدن، قلت له في نفسي "أين أنت يا أستاذ من الصباح؟!"

لم انم ليلتها وأخيرا سأزور عدن التي لم أسمع سوى اسمها من الإذاعة بصوت المذيعة التي لا أتذكر من تكون، وهي تقول "هنا عدن" لتزف لنا سلسلة أغاني ما بعد الظهيرة، لم أكن بعد مهتماً بنشرات الأخبار الطويلة التي لا تنتهي مثل الحصة السادسة.

 

في صباح اليوم الثاني كنا على ظهر الباص المتجه من القرية إلى تعز – عدن، الابتسامات على الوجوه كأننا من سيذهب ليأتي بالعيد الذي طال انتظاره، تركنا حر الصيف في القرية والهواء لا يتوقف عن النفاذ بقوة من نوافذ الباص، هذه هي البرودة الذي نريدها، كنا نلبس البنطلونات و "الاكوات" الملونة ما بين الأزرق الفاتح وبقية الألوان الغامقة، أتذكر أني كنت مرتدياً كوتاً رمادياً، كنا مثل "شواعة" الأعراس الذاهبين في الزفة، لا ينقصنا سوى بنادق الكلاشنكوف.

 

 رائحة "بريلكريم" الأخضر تفوح من رؤوس الشباب القرويين "المتحضرين الجدد"،  قبل أعوام كان استخدام كريم الشعر والشامبو من خوارم المروءة، فهذه من متعلقات النساء، فالرجل القروي يجب أن يكون أغبر ابن أغبر "مشحوط"، ومن يفعلها ويغسل شعره بشامبو يظل ينتظر حتى يجف شعره وتذهب الرائحة، وإلا لن يسلم من التعليقات الجارحة مثل: "أهلاً يا فلانة، غسلتي شعرك بشامبو نعيماً، ما أحسنِك شعركِ نظيف، يا رخوة لا تلعب حادي وقده معنا روح إلعب مع البنات".

 

من الحوبان كان الباص يبتعد عن تعز ونحن نستبشر أنه بعد المنعطف التالي في الطريق المتعرجة سنرى عدن والبحر، لكن البحر أبى الظهور بسرعة، وفي نقطة كرش توقف الباص، توقفت تيارت الهواء عن التدفق عبر نوافذ الباص، وبدأ الحر يدب، "أوف أوف يا عيال يبدو أن عدن حمى أكثر من القرية! "

 

كان الوقت يقترب من الظهيرة، صاح محمد: "ما في أحد منكم يا عيال جزع معه زعقة؟ "لا أحد رد عليه، طلاب مدرسة والزعقة ممنوعة، وهذا يريد أن يفعل لنا مشاكل مع الوكيل. منذ فترة كنا في الفصل نتسلى بالزعقة وهي حبوب البطيخ المقلية، الأستاذ يتضايق من هذا الفعل، يقول: لنا "هذه مدرسة وليست مقهى"، حينها رددت سؤالاً في داخلي: "وما الفرق؟!" وبالفعل تم منعنا من أكل حبات الزعقة في الفصل نهائياً، وألتزمنا وتعهدنا للأستاذ، وفي اليوم التالي في وقت الراحة ذهبت إلى السوق واشتريت تقريباً نصف كيلو زبيب وعدت إلى الفصل قبل أن يدخل أستاذ الحصة الرابعة ووزعته على الشباب، قلت لهم: "هاكم كلوا زبيب، منعونا من الزعقة ولم يمنعونا من الزبيب"، التفت إلينا الأستاذ بغضب: "ما هذا؟" حلفت له والله أنه زبيب يا أستاذ ومددتُ إليه بحفنه منه، نظر إلي حبات الزبيب في يدي وأخذ حقيبته ودفاتره وانصرف غاضباً نحو الإدارة، بمجرد مغادرته كنت أعلم أنه قد وعى الدرس جيداً، ولم يكن عندي مانع من تعليم الأساتذة إحترام قوانين وقواعد السوق التي نفرضها نحن، فوضى محترمة بقواعد تبقيك كطالب داخل أسوار المدرسة، دون أن تستسلم لتعليمات الإدارة و لا لعصا المدير ووكيله الذي كنا نلقبه "الأبال" كان يضربنا كما يضرب الراعي الإبل، ومع كل ذلك فرضنا وجودنا وعبرنا عن أنفسنا بطرق ملتوية.

 

كلما أقترب باص "الكوستر" من عدن أرتفعت درجة الحرارة، "هذه عدن نار "، وقد جاء في الأثر "ونار تخرج من قعر عدن تطرد الناس إلى المحشر" رددتُ ذلك في نفسي، "من ذا يزور النار بنفسه؟!، لا يا نفس سأزور عدن، بحرها يطفئ النار، ولو لزم الأمر سأخلع معطفي "الكوت" وأمشي مرتدياً قميصي في السوق."

 

في المدرسة كان زميلنا الذي يعاني من نصف "هفة" يقول لنا: "أنا قائد حزب"، كنت أسمعه يردد ذلك وأقول: "يا الله خراجك ماذا يعني حزب؟" سألته فبدأ يهذي حزب وسياسة وتنظيم، كنت اتخيله وحزبه الذي يتحدث عنه مثل عاقل القرية المجاورة وهو يتقدم خطى أصحاب قريته يوم العيد ليصلوا معنا في الجبل، تخيلت زميلنا وهو يضع المشدة على رأسه، وأعتراني الضحك "لم يأمنه الله حتى على شنب عاده سيضع المشدة على رأسه"، وجاءني صوت من شعر تميم سحيم بن اثيل:

 

أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا

 متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني

و َإِنَّ مَكَانَنَا مِنْ حِمْيَرَيٍّ

 مَكَانُ اللَّيْثِ مِنْ وَسَطِ الْعَرِينِ

وَإِنِّي لا يَعُودُ إِلَيَّ قِرْنِي

 غَدَاةَ الْغِبِّ إِلَّا فِي قَرِينِ

 

هذا ليس وقتك أنت والحزب والكلام الفارغ، لم أكن أدرك أنى سأتورط في علاقات حزبية "ملئ القفة" وسأجلس مستقبلاً على قارعة الطريق ألعن كل من مروا من الأحزاب.

 

و في مثلث العند توقفنا لتناول الغداء، شارع متسخ مليء بأكياس بلاستيكية وشمس حارقة وغبار، "بشركم الله بالخير، هي هذه جنة عدن!" قلت في نفسي، أهم ما في العند الحلاوى والهريسة معظم المحلات تعود ملكيتها للقباطي، سألت زميلي: " تقول القباطي هذا كم معه محلات هنا؟" قال: "السوق حقه كله.. ربي رزقه"، قلتُ له: "فعلا ربي رزقه"، لم نكن ندرك أن القباطي لقب و ليس اسم شخص، ولم نكلف أنفسنا نحن القرويين الذاهبين إلى عدن أن نقرأ أسماء أصحاب المحلات كاملة على اللوحات، فقط كنا نقرأ اللقب باعتباره الأسم، نحن ذاهبون إلى عدن هل سنتفرغ لقراءة الأسماء؟!

 

 عدن والبحر والتواهي، "ويا بنات المعلا يا دواء كل عله" عندما سمعت الحاج عبد الرحيم في القرية يتحدث عن المعلا في عدن قلت له: "يا حاج المكلا في حضرموت"، قال: "المعلا دكة في عدن"، يومها عرفت أني لا أعرف هذه البلاد الكبيرة، لكن كنت متأكداً أني سأعرفها ذات يوم، وبعد سنوات من الحوار معه كنت قد ذهبت للتعرف على المعلا، وإلى اليوم لم أتعرف على المكلا بعد.   

 

ما أروعك يا عدن كان ماء البحر يكاد يرتفع إلى الجسر الذي يقسم البحر نصفين والباص الذي يقلنا يمر من فوقه، كان هذا الجسر أعظم جسر في الدنيا التي بدأت التعرف عليها للتو.

الميناء ورافعاته هناك على مرمى كلاشنكوف، لا لا على مرمى "جرمل زاكي الكرام" الكلاشنكوف تصل رصاصته إلى نحو ألف متر و "الجرمل" وهو فخر الصناعة الهتلرية  تصل رصاصته نحو ألفي متر.

 

 في العام 1986 تقريباً أول مرة تجرى فيها انتخابات برلمانية في البلاد، تجمع الرجال في قريتنا من القرى المجاورة وراحوا فوق السيارات النقل "الشاص" اليابانية الصنع وارد بازرعة إلى القرية المجاورة استئذناهم بصفتنا نريد مشاهدة عملية التسجيل للاقتراع، لم نسجل فيها فما زلنا تحت السن القانونية للإقتراع للأسف، وفي صندوق السيارة الشاص كان يجلس أحمد عبده، ويبدو أنه كان متوعكاً، وسألوه: "ماذا بك وأنت طويل مثل "سلم السرق"؟" ابتسم وبدأ يقول كلاما مضحكاً اكتشفنا ذلك اليوم واحد من أهم الناس الساخرين الذين يطلقون النكات بالسجية، قال عن نفسه أنه منذ أيام يعاني من الإسهال، نتيجة تسمم غذائي، وقال لا تخافوا اليوم لبست "الفدامة حق السلح" كانت هي الجملة الساخرة التي انستنا عملية التسجيل والانتخابات برمتها كيف يضع هذا الرجل العجوز حفاظة مثل الأطفال؟ هذا الرجل فكاهي بشكل عجيب ومع ذلك يحمل بندقية ألمانية الصنع من نوع "جرمل زاكي الكرام" –لست متأكدا من اسم الموديل الحقيقي لتلك البندقية، لكنها مشهورة بهذا الاسم- قال لنا بهذه البندقية أسقطت طائرة مروحية في عدن أيام العمليات العسكرية ضد الاحتلال البريطاني، قلت بيني وبين نفسي "كذاب"ولم أجرؤ على تكذيبه علناً، وإذا بي أسمع الكبار يقولون: "فعلاً أسقط بها طائرة"، لم أتقبل الفكرة، الطائرة بإمكانها تصويبك وقتلك لكن ببندقيتك هذه لا تستطيع. تذكرت البندقية وصاحبها وأنا أحملق في سماء عدن وأصنع بانوراما حية، أشاهدها وحدي من نافذة الباص المار فوق شوارع عدن.

 

شعرت بهيبة هذه المدينة وتحدثت إلى الأرواح المعلقة في سمائها وعلى جبالها السوداء الجرداء، ومع أن الرطوبة كانت صدمة للقروي القادم من الجبال البعيدة، إلا أن السحب البيضاء الخفيفة على سماء عدن كانت تخفف هذه الصدمة فأنا أعرف هذه السحب، أما تاريخ هذه المدينة أنا كفيل به، أستوحشت قليلاً وقرأت آية الكرسي كما أفعل دوماً، كنت أريد خوض حواراً مفتوحاً مع المدينة الملهمة مع الميناء والساحل والقاع والسماء، لكن من يسمح لك هؤلاء المزحومين في الباص وبرنامجهم والسباحة والكرة؟ كنتُ قد انفصلت ذهنياً وذهبتُ في رحلة شرود، أنا لم آت للسباحة ولا للكرة ولا لنشاط المدرسة، أنا هنا أبحث عن ماهية هذه المدينة العظيمة، ما قصة تلك الكنيسة والمساجد العتيقة؟ وما قصة بريطانيا والبخور العدني والمعاوز التي يلبسها الجميع؟ ما قصة هذا البحر وإلى أي بلاد الله يصل وإلى أي مدى يكون عمقه؟؟

 

قضيتُ معهم نشاط ذلك اليوم، وجاء المساء العدني الغريب، لأول مرة أعرف معنى الغروب على الطبيعة، يبدو أن كرة الشمس الملتهبة غطست في نهاية هذا البحر الممتد إلى أخر العالم، كنت أنتظر لحظة هدوء تجمعني بعدن الساحرة، والحمد لله جاء وقت النوم، نام القرويون منهكين، لقد أكلتهم الشمس وهم يحملون هذه الاكوات غامقة الألوان، والتي تمتص أشعة الشمس، يا خسارة دروس العلوم القديمة التي وضعت في الكتب فقط ولم تخرج إلى الواقع، الرعوي يجب أن يجرب كل شيء بنفسه، لا أحد يعلم أحد ولا أحد يتعلم ببلاش.

 

بمجرد أن نام القوم أستيقظتُ كإستيقاظ دراكولا من تابوت موته، تعود إليه الروح فجأة فيفتح عينه، ويحرك فمه الملون بالدم، ووجهه المليء بالطحين الأبيض، تسللتُ من تحت الغطاء كالشعرة التي تسل من العجين، ووجدتني خارج الأسوار، أقدامي التي تعلمت المشي بدون أن يسمع أحد قرع نعالها ساعدتني على الابتعاد بسرعة دون أن يشعر بي أحد، حتى عدن الكبيرة الساحرة المضيئة ليلاً لم تكن تسمع قرع نعالي أيضاً، علمني صديقي في القرية كيفية المشي على رؤوس الأصابع بسرعة وخفة، لا أدرى إن كان يؤهلني لأكون لصاً في المستقبل أو مخبرا ً، المهم أنى أجدت هذا المشي بجدارة، لم أتحول إلى لص بعد، لكني عندما عملتُ مخبراً صحفياً لم أمشي سوى على أنامل يدي.

 

ذهبت كمن فك أسره وهرب من السجن، ومن يومها أدركتُ أن السفر برفقة الجمع لا تستهويني، و لن أسافر مستقبلاً إلا معي أو مع من يشبهني -سافرتُ معي دوماً ولم أجد بعد من يشبهني- لم أكن أعرف أين نزلنا ولا اسم الشارع حتى، ومضيتُ في الطرقات لا ألتفتُ خلفي، اعتمدتُ على أقدامي وروحي التي تحلق في ليل عدن المعطر بالبخور والفل، كانت ليلة خميس، لا أعلم إن كان البخور الليلي يحترق بمناسبة الخميس أم أنها عادة عدنية ليلية؟

 

النساء يتحدثن من البلكونات المطلة على شارع ضيق، لم أحب الاستماع إلى أحاديث النساء العدنيات، أصواتهن ولكنتهن ليست بعيدة عن لكنة تعز الحجرية -والله وربي، و رأس أمي أنه سرح واندكو وجعلك العافية- استغربت فقط من استبدالهن للذال بالدال، قلت لنفسي يا ليد أحسبه لهن من باب الدلع مثل اللبنانيات اللاتي استبدلن لفظ الله في قولهم يا الله ب "يلا"، ألسن العرب تأكل حروف اللغة، وهذا ليس مشكلة، فالعرب في حالة فقر والجوع يقرط الأحرف.

 

روائح الفل مخلوطة "بالخوعة"! "يبدو أن السفر قد أثر على حاسة الشم عندي، ما علاقة العنصيف بالفل؟ هذا قده سحاوق" قلت في نفسي، لكن لا سحاوق يخلط بالفل، إنها عجائب مدينة عرفت كل أنواع المسافرين من أفريقيا والهند وكل البلدان البعيدة، كانت عدن تلك الليلة تبدو كعروس سمراء تضع أقدامها في الماء قبل وضع الحناء.

 

 قلة من الرجال يمشون في الشوارع يتحدثون بأصوات مرتفعة، "لا أحد أخبرهم أن الناس نيام هذه الليلة في بيوتهم المطلة على الشارع" حدثت نفسي. لكن أهل عدن أدرى بأزقتها، ما أدراك أنت أيها القروي القادم من الظلام الدامس إلى مدينة الضوء والبخور والبحر؟

 

قادتني الأزقة إلى أزقة أخرى لم يكن أحداً من المارة يرى دراكولا الذي ترك كوته ملقى على فراشه قبل أن يغادر مرقده، يا ترى أين تمت المواجهة بين الثوار والإنجليز؟ هل هذه الأزقة قد شهدت المواجهات؟ أين ولدت الحركات والتيارات والأحزاب في أي الشوارع والمخابئ؟ كم سفكت من الدماء على أرصفة هذه المدينة العتيقة؟ كل الأسئلة التي دارت في رأسي ليلتها أثارت في روحي الشجون، أين تاريخ هذه المدينة لأقرأه قبل أن تشرق الشمس؟

 

هذه المدينة صديقة الفقراء والأدباء والشعراء والفقهاء والساسة والتجار والعمال، حين توفرت فيها الأعمال بسبب تجمع السكان للعمل مع البريطانيين والتجار القادمين عبر البحار، كانت شركة الهند الشرقية تسيطر علي التجارة فيها، أتى العمال "الجبالية" من ريف عدن -الحجرية- وهي المناطق الجبلية الممتدة بين تعز وعدن، يستيقظ أبناء الفلاحين هناك قبل الفجر ويحملون أردفتهم وتشرق الشمس وهم في عدن، كانت حركة المجتمع هي من تصنع أسواقه قبل الساسة القدامى والجدد، تداخلت المدن والأسواق بكثافة الأرياف السكانية، وكما كانت إب تمثل ريف تعز كانت تعز بشقها الحُجري تمثل ريف عدن. إذا أن أبناء الفلاحين الرعاة تركوا البلاد والزراعة والأغنام و جاءوا إلى عدن؟ ماذا صنعت يا شركة الهند الشرقية؟

 

عندما أدركت شركة الهند الشرقية أن ديموغرافية السكان في عدن يمثلها الجبالية الذين قدموا إلى الساحل و معهم السمن و العسل و الجلجل و فتحوا المطاعم و المخابز و المقاهي، جلبت عمالة من الهند و من الصومال، حتى لا يشعر أهل التاج البريطاني أنهم أقلية في أوساط يمنية كثيفة شديدة التعقيد في مكوناتها المجتمعية، راحت القصائد الشعرية تعظم السبول والجهيش والبن والعنب والقات والهواء والبرود، كان الحفاة يحملون ثقافة القرية، و بدأ القرويون بالحنين إلى بلادهم البعيدة، و التي لم يكونوا يستطيعون العودة إليها لأنهم ارتبطوا بأعمال مستمرة، كانت عدن تنمو كواحة خضراء على طرف الجزيرة العربية التي تزداد تصحراً في كل إتجاه، تمدنت عدن قبل عواصم الدول التي نشأت فيما بعد، وأزدهرت التجارة و الثقافة معاً.

 

عندما أدرك العمال من أبناء الفلاحين أن بريطانيا تستغلهم كونوا النقابات العمالية و التي شكلت طلائع الثورة، و بالمقابل شكلت بريطانيا قواتها الأمنية و العسكرية من بعض من قبلوا العمل معها في هذه المهمة، وكان الخصام بين العمال و "السوجر" المرتزقة، بريطانيا التي جلبت حتى سكاناً جدد لا ينتمون للأرض و لا لثقافتها و لا لحضارتها، عملت على التفريق بين الناس بسياستها المعروفة "فرق تسد"، و عندما بثت فكرة عدن للعدنيين، استغل سكان عدن الأمر و طالبوا بالمزيد من التمثيل في الحكم المحلي و البرلمان و كافة الوظائف بحكم أنهم أهل المدينة، وخابت فكرة العجوز الشمطاء، فالعمال كانوا يشكلون قوام السكان المنحدرين من ريف تعز، كان مثقفو المدينة يرددون "عدن للعدنيين" نكاية في بريطانيا ولا يقصدون الأباء المؤسسين لهذه المدينة القادمين من الجبال البعيدة.

 

تاريخ هذه المدينة يجب أن يُعاد نبشه و قراءته وتعليمه للأجيال، هذه هي عاصمة التاريخ المعاصر و منها انطلقت حركات التحرر الوطنية، و فيها نشأت الأحزاب و ترعرعت الأفكار، كان الإمام المؤسس للحركة الوطنية محمد بن سالم البيحاني قد أسس النادي العربي الإسلامي في عدن عام 1929، ومنه بدأت حركة الرفض للبقاء تحت وصاية الاحتلال، هذا التاريخ الموجع يقول أن الإمام البيحاني طُرد من عدن بعد خروج الإنجليز و استوطن تعز، التاريخ الملتهب في هذه المدينة غذته الأحقاد، التي تغلبت على الفكر و الثقافة و الشعر و الحب، و دارت رحى الحرب كلما تقوى فريق قام بضرب الفريق الأخر، في مثنوية عجيبة غريبة لدرجة أن الحزب إن لم يجد من يضربه يضرب بعضه و ينقسم على نفسه.

 

أقسمتُ ليلتها غير حانث أن هذه المدينة حزينة و كئيبة أكثر من حالنا في الحصة السادسة، و من كل هذا التاريخ الذي يلعن بعضه بعضاً، و لا نجد صفحة من صفحات التاريخ إلا وتناقض أختها، من رباهم الإمام البيحاني ألحد بعضهم مع موجه الإلحاد الروسي الذي انتشر في القرن الماضي،  حتى "ظننت ظناً فخاب ظني ظننتُ شيخاً طلع مغني" كانت أقل سخرية من خريج كُتاب و نادي إسلامي يتحول إلى شيوعي ملحد، الشيوعية كحركة كونية استوطنت عدن بدون مقدمات، لم يكن هناك حركة مقابلة استدعت نشؤها كديالكتيك كما تقول الشيوعية ذاتها، كان ارتماء في حضن يدفع "زائد ناقص" لقيادات لم تخرج من روح المجتمع و إن كانت قد خرجت من رحمه، هذه طريق الحجاج و البهرة و المتصوفة و الطيبين ما علاقتها بالإلحاد؟

 

كانت تلك الشابة التي تقف في الشرفة قد وضعت على وجهها الطحين! مبيضات البشرة التي تباع في أسواق هذه المدينة الساحرة لا يبدو أنها تناسب هذا الوجه الأسمر المصنوع من البرونز، هذه الألوان باهته لا تناسب هذا اللون الذي يشبه اليمن يشبه أرضها السمراء، هل تحتاج الفتاة اليمنية الجميلة إلى هذا المكياج الذي يخفض مستوى الجمال؟! ليتها استمعت للمرشدي وهو يغني "اترك البيض جملة و أعشق الأسمر" الفن في هذه المدينة يخفف التكاليف الزائدة، لكن يبدو أن فكرة الشراء هي المسيطرة على السوق بعد كساد مرت بها المدينة من عهد الاشتراكية الشعبية المستوردة من السوق السوداء.

 

خطرت لي فكرة لا تستحق النقاش ليلتها، من تم تعيينهم كأمناء عاصمة أو محافظين لهذه المدينة هل كانوا يعشقون رملها و بحرها و جبل شمسان؟ هل امتزجت أرواحهم بتاريخها؟ هل دخلوا دورات تأهيلية قبل تولي مهامهم في هذه المدينة المقدسة؟ هل قررت عليهم السلطات المتعاقبة قراءة تاريخ عدن و حفظ شعر عدن و غناء عدن و رقص عدن ومدنية عدن، وكيف حولت عدن الجبالية إلى بحارية؟ هل يستطيع محافظي هذه المدينة صناعة الشاي العدني الملبن بأنفسهم؟ هل يستطيع هؤلاء المحافظين طباخة البيض العدني الرطب لا محروق و لا ناضج ما بين البين؟ هل يستطيع محافظي هذه المدينة قراءة القرآن على مقام البيحاني و مقام فقهاء القرى الذين استوطنوا هذه المدينة و أموا مساجدها؟ هل يستطيعون معرفة أسم القروي شاعر قصيدة يا طائرة طيري على بندر عدن؟

 

قاربت الساعة الثانية فجراً وأنا ما زلت أهيم في وسط المدينة النائمة على البحر، أحمد الله أنى لم اصادف كلاباً في هذا الليل و في هذه الشوارع التي لا حجارة فيها، لا أحب الكلاب و لا المزح مع الكلاب، الأسئلة كانت أثقل على كاهلي من حمل الجبال، ما علاقتك أيها القروي بكل هذا؟ فضول القروي هو من صنع أسئلة و وجهها لروح هذه المدينة. سألت نفسي هل مازال أصدقائي يغطون في نومهم؟ فليناموا ماذا عليهم! "ما فاز إلا النوم".

 

الثلاثية اللعينة؛ الدم و الحرب و المدفع مجمل ما صنع منه التاريخ الحديث و المعاصر لهذه المدينة، فمتى تشرق شمس عدن؟ متى تعود إلى تاريخها الأول كأم المدن في جزيرة العرب والقرن الأفريقي؟ متى ستعود مزاراً للشرق و الغرب و مركزاً عالمياً للتجارة؟ ومتى سيعود إلى صدارة موانئ العالم؟ متى سيتوقف الأغبياء عن ضخ السلاح و الديناميت إلى وهادها و أزقتها؟ متى سيتوقف الزج بالتدين المغشوش إليها؟ متى ستعود أماً وملاذاً لكل اليمنيين؟ فهي مهد حضارتهم و أمل حاضرهم و مستقبلهم و مدنيتهم.

 

من موطن الثلج زحّافاً إلى عدنِ

 خبّت بي الريح في مهر بلا رسن

كأسي على صهوة منه يصفقها

 ما قيض الله لي من خلقه الحسن

من موطن الثلج من خضر العيون به

لموطن السمر من سمراء ذي يزن

من كل ملتفة الكشحين ناعمة

 ميادة مثل غصن البانة اللدن

 

قالها محمد مهدي الجواهري عندما قدم إلى عدن من براغ، لكني أنا لم أقدم من موطن الثلج بل من القرية ذات الصيف الحار، وصيفنا مقارنة بصيف عدن جنة من برد، كنا نعيش في النعمة و الهواء العليل و لا ندركها، حتى ريح عدن في الليل تلفح سخونته وجهي، كأني أقف بجوار التنور، هذه عدن التي عاث فيها التاريخ فساداً، بالتأكيد هذا الحر ناتج عن التاريخ الملتهب.

 

يجلس في ناصية الشارع رجل في منتصف العمر وأكثر قليلاً يتكأ على عمود الإنارة ويفترش كرتوناً تحته، وأمامه مسجلة ناشيونال وارد جيبوتي و يسمع كمن هو في غرفته إلى صوت محمد مرشد ناجي و هو يغني:

 

 يا ميناء التواهي حبك في القلوب

يا عمري اللي ساهي والأيام تذوب

تذكر الطفولة و الشبة و الرجولة

و الحافة و الشوارع و وقتنا اللي ضايع

 

اقتربت منه نهرني بشده وقال "اصبح للمصابحة" قلت في نفسي "مجنون هذا و إلا عاقل" و غادرت، تركته أغلقت عقلي المثقل بصداع الأسئلة و تركت القيادة لأقدامي فأعادتني، مع أذان الفجر، تسللتُ نحو الفراش و عدت كما يعود دراكولا إلى التابوت، و رأيت فيما يرى النائم أني صليتُ الفجر معهم، وكنت أظن أنهم اكتشفوا غيابي لكن لا أحد عاش ليلته مثلي، كنت أحدث نفسي و أنا نائم و اتخيلهم يوقظونني للذهاب إلى الساحل القريب للسباحة قبل بزوغ الشمس، واختفيت في الجانب الأخر من السكن وطرحت رأسي غافياً، استيقظت على أصوات الغربان المزعجة غاق غاق غاق، لم أصدق أن أصوات كل هذه الغربان في عدن، كنت اعتقد أن الريف هو موطن الغربان، و سلام الله على غربان القرية قلة قليلة يعشون في الحيود العوالي و لا يتسببون بازعاج أحد، فتحت عيني ونظرت نحو الشجرة القريبة من البناء، وإذا بها تعج بالغربان، كيف أن أهل هذه المدينة يتحملون كل هذا الإزعاج؟ اللعنة على الغربان، من أين لي بفأس لأقطع أم هذه الشجرة من الجذور؟ استيقظتُ مع القوم و بدأ برنامج اليوم التالي للرحلة المدرسية.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى