سياسة و اقتصاد.. عالم جديد يتشكل

سياسة و اقتصاد.. عالم جديد يتشكل

ينام في ضريحه في  منطقة طوب كابي بإسطنبول القائد التركي "تورغت أوزال" الذي رأس تركيا بين عامي 1989 -  1993 ، بعد أن أنجز إصلاحات كبيرة في تركيا في المجالين السياسي و الإقتصادي، حسن علاقات بلاده بالغرب عموماً وحقق إنجازات إقتصادية و خصخص المؤسسات العامة التركية، و أخرج النخبة التركية من جدلية العلمانية و الإسلام و ثنائية العسكر و المدنيين، و يقال أنه مات مسموماً من قبل الجيش الذي رأى فيه "عدنان مندريس" جديد، لكنه لم يستطع إعدامه بسبب قربه من الشعب، اشتهر قوله لقادة الجيش " أنا رئيس الشعب". مجيء أوزال و قدرته على حرف مسار تركيا نحو الانفتاح و النهضة يمثل بداية تشكل عالم اقتصادي و سياسي جديد يقوم على تحالفات المصالح المشتركة بين الشعوب فهي مقدمة على طموح الساسة و الأيديولوجيات.

 

 

أجرى  أوزال إصلاحات إقتصادية كبيرة تعد حجر الأساس لإنتعاش الاقتصاد التركي في المراحل اللاحقة خاصة بعد تولي حزب العدالة الحكم في 2002 ،  في زياراته الدولية كان أوزال يأخذ إلى جانب طاقمه الرئاسي رجال الأعمال الأتراك إلى تلك الدول حتى يتم العمل على وضع العلاقات الإقتصادية موضع التنفيذ، و هذا هو ما سهل إنتعاش قطاع المال و الأعمال في عهده.

 

لا يمكن لبلد النهوض مالم يحرر القطاع الإقتصادي ، فالعلاقة بين القطاعين السياسي و الاقتصادي تكاملية، يرى منظرو الإقتصاد المعاصر أن هناك علاقة وثيقة بين السياسة و الاقتصاد، و يذهبون إلى أن النظم الديمقراطية الليبرالية هي الأكثر قدرة على إدارة ملفات الاقتصاد بجدارة، و يرجحون أن هذه العلاقة مرتبطة بما يوفره الاقتصاد عبر تحديث موارد الإنتاج المستمر من وفر مالي لتشغيل القطاعات الخدمية للدولة.

 

و لهذا يرى فوكو ياما "أن النمو و التطور الإقتصادي يحتاج إلى نظام ديمقراطي ليبرالي  ;ليكون قادراًً على معالجة تعقيد المصالح المتأزمة التي يولدها الإقتصاد الحر، و لأن المجتمعات المتقدمة تقنياً تساهم في إنهيار الأنظمة الشمولية المستبدة ذات الحزب الواحد و الزعيم الأوحد ، بالإضافة إلى أن نجاح التصنيع ينتج مجتمعات ترتفع فيها حظوظ الطبقات الوسطى، و هذا النوع من المجتمعات يفرض المشاركة السياسية و المساواة".

 

و هذا يقود إلى ضرورة حركية و فاعلية  و ديناميكية النظام السياسي حتى لا يقع عرضة لتبيعة قطاع الاقتصاد المتقدم، و هذا يتطلب من القادة المزيد من المرونة و فتح آفاقاً جديدة توزاي تطلعات المجتمعات لتصل إلى مراحل متقدمة من الرفاهية الناتجة عن العمل، و بتوقف النظام السياسي عن اللحاق باقتصاد المعرفة المتسارع فإنه سيعيق حرية الاقتصاد و يوقف عجلة التنمية، هذه المعادلة الفلسفية تحتاج إلى وعي تام و مشروع مكتمل لبلد من البلدان التي تريد أن تكون حرة و مستقلة في آن واحد، الحرية السياسية بحاجة إلى اقتصاد حر مستقل غير تابع لمنظومة أخرى خارج حدود الدولة و إلا فلا معنى للحرية و لا للديمقراطية بدون إنتاج يكفي السوق المحلية و قائم على التصدير الذي يرفد القطاعات الخدمية.

 

النوايا الطيبة و التخطيط السياسي للوصول إلى الحكم لا يكفي، لابد من العمل في القطاعين المتوازيين بنفس الوقت، لتكتمل السياسية بالاقتصاد و تحدث التنمية و النهضة المجتمعية، لماذا تريد أن تحكم؟ هذا السؤال الذي يتوجب على كل حزب و كل من لديه تطلعات للحكم الإجابة عليه، و إجابته تطول، فليس الحكم مسألة سهلة، إنظروا لحال الحوثيين كمثال فقد حشدوا كل فكرهم الخرافي و المظلوميات الوهمية و النصوص المزورة من نسخة الإسلام المزيفة التي يتداولونها و التي تمنحهم الوصاية و الولاية ، حشدوا الدين و النسب و الأوهام و لم يستطيعوا توفير راتب شهر لموظفي الدولة التي يحكمونها في حزيز و بيت زبطان، مهما كانت القوة التي تستطيع استخدامها للقتل و البطش و الترهيب و الترغيب إلا أنك ستجد نفسك محاصر بأسئلة اقتصادية لا حصر لها، الموارد و الريع و الوفرة و الندرة و الإنتاج إلخ، بالطبع لا يستطيع متخلف يقبع في كهف مران أن يجيب عنها أو أن يفكر فيها، و كلما توصل له هو ماذا تريدون بالراتب؟! ولدينا أحجار الزينة!!.. النية في الحكم و حتى الوصول إلى الحكم عبر إنقلاب أو حتى عبر إنتخابات حرة و نزيهة يجب أن تكون الإجابة العملية على عيش الناس و تأمين حياتهم جاهزة و إلا فالفشل هو النتيجة الحتمية لأي نزوة و بأي أسلوب كانت، و على رأي المثل اليمني : "بيننا يا ذرة وقت المكيل".

 

 لابد من توفر الإرادة السياسية الداعمة للقرارات الاقتصادية الهامة، و لهذا ما تشهده تركيا اليوم من محاولات للإطاحة بالليرة ستصدم بوجود سلطة أتت عبر بوابة الخدمات و لها علاقة بالاقتصاد، الرئيس أردوغان لا يتحرك في زيارة لبلد ما دون أخذ رجال الأعمال معه، وهذا توارث قديم من عهد أوزال و ربما من قبله، تركيا بلد لديه تجربة سياسية ديمقراطية أتت بعد سلسلة من إنقلابات و هذه التجربة الديمقراطية لم تأت بدون اقتصاد فانتعاش السوق التركي منذ 2002 إلى الأن ليس ناتجاً عن فراغ، هذه الأزمة الأخيرة تشير إلى أن أسواقاً عالمية جديدة تتشكل و تحالفات اقتصادية الظروف مهيأة لظهورها أمام حماقة ترامب و الذي لن يكتفي بتركيا لوحدها فيما لو نجحت أساليبه فسيعلن الحرب على إقتصادات أخرى كألمانيا و غيرها، و خسارته في هذا الرهان  ربما ستعني توقف أزمات مالية محتملة لأسواق العالم.

 

 في خطابه الموجه للأتراك ردد أردوغان الإنتاج و التصدير ثلاثاً ثلاثاً، و هذا ترجمته بالمثل اليمني " ما ينزل المبرع إلا ساتر" هناك تحد تركي واسع على المستوى الشعبي و الرسمي، و سلطة و معارضة لمن يهدد إقتصادهم، درجة الوعي جعلت الأمة التركية تشعر بالخطر و هذا مقياس يبدو جيداً،  فبلد لديه الشعور القومي مرتفع و حساس إلى هذه الدرجة سيستطيع أن يقاوم و أن يصمد و ينجح  سياسياً و إقتصادياً و سيحقق الحرية و الاستقلال معاً، و هذا هو المقصود بما يردده الساسة الاتراك "تركيا القوية".

 

ما يلاحظ في عالمنا العربي عند زيارات القادة للدول الأخرى لا يذهب في وفودهم سوى وجوه  غير مؤثرة لا في سياسة و لا في نهضة و لا في فكر و لا في إقتصاد، و أخر ما يمكن أن يفكر به عقل الزعيم العربي مرافقة رجال الأعمال له في رحلة عمل دولية، ماذا يريد من مرافقتهم له فدفتر شيكاته في حقيبته و مفاتيح أرقام حسابته الدولية في مفكرته،  و هذا كل شيء، و مع ذلك يتحدث إعلامنا العربي عن النتائج المثمرة للزيارات و العلاقات، و لا نرى ثمرة و لا حتى بعرة و لا نتائج ملموسة،  و لهذا تنتقل الشعوب العربية من أزمة سياسية إلى أزمة إقتصادية و العكس، و السبب يكمن في أن من يحكمون و من يريدون الحكم لا يستطيعون الإجابة عن السؤال المتقدم أعلاه : لماذا نريد أن نحكم؟

 

مهد تورغت أوزال الطريق لأردوغان، فالجدل العقيم "إسلامي و علماني" لم يعد له تأثير ملاحظ  في تركيا، هناك قادة يعرفون ماذا يريدون و هناك شعب تحسنت معيشته بعد وصول حزب العدالة إلى سدة الحكم، فصار  اليوم يتحدى. و في عالمنا العربي هناك من يسوقون لمصطلحات مجردة تنفر الجمهور الجاهل بالمصطلحات و المطحون بالأزمات و بأسباب التخلف، هناك من لم يفهم ما تريده الشعوب، هذه المجتمعات  تستحق أن تتحد نخبها الفكرية و الثقافية و الإقتصادية و السياسية لتأخذ بيدها - بعيداً عن المشاحة في المصطلحات- نحو الحرية  و الإستقلال و العدالة  و المساواة و بناء الدولة و فقاً لهوية كل أمة و كل شعب على حده.

 

 ليس شرطاً أن كلما قلناه سالفاً أو يقوله غيرنا هو الصح و غيره خطأ محض، الحكم و السياسية و الاقتصاد علوم إنسانية و البحث في هذه العلوم نسبي لا قطعي و ما يصلح هنا قد لا يصلح هناك و لا بد من التفكير و التجريب و التجديد و الابتكار حتى تنضج أي تجربة و أي مشروع هو مجرد مقترح إلى أن يثبت صحته في واقع هذا الشعب أو ذاك.

 

أنا لا أنسف ما قلته أعلاه، لكني أمام ظاهرة إنسانية توجب علينا التريث و المراجعة على الدوام، و النظر نحو مختلف التجارب في الغرب و الشرق، و في الشرق يوجد التنين العظيم أكبر إقتصادات العالم هناك في الصين، حيث يصنعون كل متطلبات الحياة و ينافسون في كل مجال و لديهم طريق الحرير الذي سيغزون به خلال سنوات كل العالم بلا إستثناء، لديهم اقتصاد متنامي بجنون التنين و سرعة حركته،  بينما لديهم نظام حكم شمولي و حزب واحد، إشتراكية سياسية إسمية و إقتصاد رأسمالي  حر، بمعنى أنهم هم من نسفوا كلما أوردناه أعلاه و أخترعوا النظام الذي يناسبهم و يناسب مجتمعهم و إقتصادهم الصاعد نحو القمة بلا منافس، و لديهم القدرة على تسويق منتجاتهم بدون أيدولوجيتهم، بينما الغرب اليوم و على رأسه أميركا أم الرأسمالية و الديمقراطية فشلوا و فشلت في تسويق الديمقراطية و هاهم يعاقبون تركيا التي لحقت بديمقراطيتهم، لقد عاقبوا التجارب الديمقراطية في عدد من دول الشرق الأوسط و وقفوا بجانب المستبد الفاشل، و هذا يشكك بمقولاتهم و بقدرتهم على البقاء في عالم جديد  يتشكل و يشكل سياسته و إقتصاده بما يخدم و يحقق الرفاهية لمجتمعاته.

 

اشترك معنا على الصحوة تليجرام

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى