المقالح.. حين يعلن يأسه

المقالح.. حين يعلن يأسه

مثلما أعلن الزبيري ذات نكسه عن مصرع الابتسامة؛  أعلن الدكتور عبدالعزيز المقالح عن يأسه وكلا العظيمين: الزبيري والمقالح يصدران عن رؤية ثورية تعلن رفضها للواقع داعية إلى الخروج منه،  والثورة عليه، حتى وإن ارتدت مفردات الإنكسار وتولّت إلى الظل تشكو وجع الخيانة وخذلان الأصدقاء

بين الزبيري والمقالح مثلما بين نصّيهما من تواشج وقربى،  مثلما بين الظرفين اللذين كتب فيهما النصان من تطابق حد التماهي،  غير أن المقالح وقد تجاوزت به سنون العمر يبدو أكثر حزنا وأكثر إحساسا بدنو الموت: موته وموت وطن عاش عقودا من الفن ودهشة الكلمات في محرابه وحقّ له أن يقول عنه صادقا: ليس في الجبة غير الوطن.

ومثلما يعيش المقالح هاجس الكتابة كواحد من سدنتها المعتقين؛  يعيش هاجس المقارنة بين صنعاء الباذخة التي أدمنها عشقا وتغنى بقمرياتها وزخارفها وحواريها الجميلة التي سرت في ثنايا الروح وتعاريج القصيدة،  وبين صنعاء الضيقة التي افرزها حاضر اليوم قميئة دميمة تضع السم لمحمد العبسي وتقتل القحم وتجلط القصب الشلال وتزري بعلمائها ومفكريها وتنفي بلابل الحب والجمال إلى البعيد البعيد وتغلق على من تبقى منهم أبواب الخوف وتجبرهم على انتظار الموت جوعا وانتظار الموت قهرا وانتظار الموت يأساً:

 

أنا هالكٌ حتماً

فما الداعي إلى تأجيل

موتي

جسدي يشيخُ

ومثله لغتي وصوتي

ذهبَ الذين أحبهم

وفقدتُ أسئلتي

ووقتي

أنا سائرٌ وسط القبورِ

أفرُّ من صمتي

لصمتي

بهذه الاستهلالة الذابحة بدأ المقالح/الوطن إعلانه بصوت مبحوح مهدود مطالبا بتعجيل موتِ مؤجل مقدمًا حيثياته المنطقية بدءا بالشيخوخة المستنسخة جسدا ولغةً وصوتاً مرورا بذهاب الذين يحبهم وانتهاء بتناسل القبور،  وهذه الحيثيات ترسم لوحة صادقة للمدينة البائسة وللوطن الكهل.

وعلى الرغم من الخطاب التلميحي الذي سلكه النص إلا أن المقالح قال فيه كل ما يمكن قوله، وتجلّى فيه ساخطا على الوضع معلنا رفضه لكل مادفعه لإعلان يأسه، وللزمن الأغبر الذي افقد الوطن نقاءه وعظمته وحوله لمقابر تتكاثر بالطول وبالعرض:

هذا زمان للتعاسة ِ

والكآبةْ .

لم يترك الشيطانُ فيهِ

مساحةً للضوء

أو وقتاً لتذكار المحبةِ

والصبابةْ .

أيامهُ مغبرّةُ

وسماؤُه مغبرّةُ

ورياحه السوداء

تعصف بالرؤؤس العاليات

وتزدري التاريخ

تهزأ بالكتابةْ

 

 

* * *

أنا ليس لي وطنٌ

أفاخر باسمهِ

وأقول حين أراه:

فليحيا الوطنْ .

وطني هو الكلماتُ

والذكرى

وبعضٌ من مرارات الشجنْ

باعوه للمستثمرين وللصوص

وللحروبِ

ومشت على أشلائهِ

زمرُ المناصب والمذاهب

والفتن .

 

* * *

صنعاء ...

يا بيتاً قديماً

ساكناً في الروح

يا تاريخنا المجروح

والمرسوم في وجه النوافذ

والحجارة

أخشى عليك من القريب

ودونما سببٍ

أخاف عليك منكِ

ومن صراعات الإمارةْ.

لقد أعلن المقالح إذن رفضه لا يأسه، ورفض ان يستبدل وطن اللصوص والباعة والمستثمرين بذلك البيت القديم الساكن في الروح.. وهذا الإعلان ينتمي للخطاب الثوري الذي تبناه المقالح على امتداد رحلته الطويلة في أضواء الكلمة وكأنه لا يزال ممسكا معوله ليحفر  على جدار اليوم ثغرة للنور كما فعل مع جدار الأمس.. ولعل هذا النص طرف  فيه.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى