ثورة فبراير.. وفكرية أيضاً

ثورة فبراير.. وفكرية أيضاً

إذا كانت ثورة فبراير المجيدة قد امتلكت كل حيثياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية فإنه من المهم التذكير بانه امتلكت قبل ذلك حيثياتها الفكرية والثقافية، ذلك أن الفعل الثوري لا يمكن له ان يتخلق بشكل طبيعي بعيدا عن دائرة الوعي والفكر، باعتبارهما السياق الإنساني الذي يحكم مسارات العمل الثوري، ويمنحه مناعة قوية، تقيه اهتزازات التقلبات ووعثاء الطريق.

ومن المهم ايضا الإشارة إلى أن الحاجة لهذا الوعي تزداد حينما يكون المناخ العام الذي نبت فيه الفعل الثوري لا يزال مشدودا بعوامل ماضوية تجعل منه ضدا لكل حركة تغييرية، وخاصة من قبل أولئك المنتفعين الذين يعيشون عالة على موائد السلطة ويرون في زوالها موتا لهم وزوالا لمصالحهم.

 

في مثل هذا المناخ ولدت ثورة فبراير، دعوة صريحة للتغيير، في محيط يمتلك أدوات التوجيه فيه من قامت الثورة ضده، وكنتيجة طبيعية يحكمها منطق المصالح الأعمي فقد نبتت بالتوازي ثورة مضادة من أول يوم حشدت في مسيرتها كل المطبلين والمتكسبين والمنتفعين من حملة المباخر ومن حملة الأقلام الرخيصة، ومن هنا كان لزاما على ثورة فبراير ان تكون ثورة فكرية وثقافية في المقام الأول.

وقد أهلها لأن تلعب بامتياز هذا الدور المهم ذلك التجريف الثقافي والفكري الذي شهدته الساحة اليمنية في العقود الأخيرة، إذ عمل النظام السابق وبوتيرة عالية على تغييب قيم الوطنية لصالح الحاكم الفرد وغياب قيم الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية لحساب الحظوة الحزبية، فانعكس ذلك على كل تفاصيل المشهد: في التعليم والثقافة وفي الفن والإبداع، وحورب الفكر الفاعل بتغييب رجاله وتهميشهم، وإتاحة الفرصة لسماسرة الكلمة ممن يجيدون التبجيل والتقديس، ويمتهنون تجارة الكلمة ونخاسة الفكر ، وبالتالي بقفون بالكرصاد لكل الأقلام النقية والمنابر الفكرية المظيفة.

ولقد مثلت ساحات التغيير  منابر ثقافية وفكرية بامتياز ، والمقصود بالفكر هنا ليس قطعا تلك النظريات النائمة في بطون الكتب، ولكنه ذلك الانتصار للقيم الإنسانية: الحق والخير والجمال، والذي تجسد سلوكا يوميا تماهت فيه القيم الأصلية، مما جعل شباب الساحات  - ومعظمهم دون سن الثلاثين أو في هذا السن - يفتحون عيونهم على خطاب جديد يعلي من شأن الوطن، ويرفع من قيمة المواطن، وينتقد كل تشوهات الحاكم، ويدعو دونما مواربة إلى تغيير الوضع، فوجدوا ذواتهم هنا.. تحت ظلال الوطن الذي حضر إليهم بكل جراحاته المثخنة، وهمومه المتراكمة، مستنجدا بهم، فلم يخذلوه، وشابوا عند مطلع الفجر.

قال لي أحد الشباب لم أكن أعرف قبل ثورة يناير شيئا عن الزبيري او علي عبدالمغني.. كنت اعتقد ان ثورة سبتمبر قام بها أولئك القابعون على هرم السلطة، ثم تكشفت لنا الحقائق فعرفنا الزبيري والحمدي والنعمان، وبهم عرفنا قيمة التضحية وقيمة الشهادة، فلم يكن أمامنا إلا أن نضيف لهذه القيمة صورا حية في مسيراتنا واعتصاماتنا، وكان كلما سقط منا شهيد ازدادت ثقتنا بأن شهداء اليوم هم شهداء الأمس، وأن الوطن الذي حضر هناك يحضر الآن بعظمته في تلك النعوش والجنائز الماضية نحو الفجر، وفي ذات الوقت كان إيماننا يزداد بأن قتلة اليوم هم قتلة الأمس، ومن هنا اقتربنا اكثر من الرعيل الأول للثورة، فرفعنا صورهم في مسيراتنا وساحاتنا بعد أن كانت صور الحاكم متفردة في الوعي ومعلقة كالكوابيس في كل اتجاه.

وأذكر أنني قرأت خبرا ثقافيا مفاده أن عجلة المطابع دارت مع ثورات الربيع العربي بوتيرة أعلى مما كانت عليه مسبقا، وبأن كتاب عبدالرحمن الكواكبي طبايع الاستبداد أصبح المطلوب الأول للشباب من بين عناوين كثيرة جميلة وجادة.

في الساحات الثورية حضر ابو القاسم الشابي برائعته الثورية الشهيرة وحضر على محمود طه بقصيدته المزلزلة وحضر الزبيري والموشكي والفضول بثورياته الوثابة كما حضر أيوب والمرشدي بوطنياتهم المجلجلة، فعرف الشباب معنى الإبداع، وعرفوا مضمون الأدب الحي والفن البناء، فلم يقفوا عند هذه الخطوة بل أضافوا إليها إضافات فنية وأدبية فأصبحت الساحات محاضن أدب وفن والتقى المبدعون من الشباب بجماهير غفيرة ماكان لهم ان يلتقوا بمعشارها لولا الثورة، فأورقت الأقلام وأزهرت الحناجر بعشرات الأعمال الجميلة التي أرخت فنيا وادبيا لمرحلة مهمة من مراحل تاريخ اليمن الحديث.

إن ثورة فبراير كانت وما زالت رد اعتبار  فكري لرموز اليمن العظيمة التي عانت من التهميش والتغييب في كل منابر الفكر والثقافة وفي اعتقادي أن مجريات الثورة وتجلياتها الرائعة في كل الساحات لا تزال تمثل مخزونا إنسانيا ثريا لعشرات الأعمال الفكرية والأدبية والفنية والدرامية منها بشكل خاص ذلك ان خلف كل ثائر وشهيد موقف إنساني رائع وحكايا رائعة لابد لها ان ترى النور في أعمال متلفزة رهيبة تحكي للعالم اجمع قصة وطن جميل اسمه اليمن.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى